جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

المغرب وإسبانيا: تجاور جغرافي يستوجب القطع مع أوهام العداء وبناء المستقبل

0 19

تتميز العلاقات المغربية الإسبانية بعمق تاريخي واستراتيجي فريد، حيث تشكل الزيارات المتبادلة بين قائدي البلدين المحرك الأساسي لتوطيد التفاهم السياسي وبناء الشراكة المتينة عبر العقود. وقد جسدت الروابط الأسرية والشخصية التي جمعت بين العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني والعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول مرتكزًا متينًا لتجاوز العديد من المحطات الصعبة، حيث قام الملك خوان كارلوس بأول زيارة رسمية له إلى المغرب في سنة 1979، بدعوة من الملك الحسن الثاني، لتسهم تلك الزيارة التاريخية في إرساء قاعدة الحوار المباشر وتأسيس اللجنة العليا المشتركة، وتلتها زيارة رسمية أخرى للملك خوان كارلوس في سنة 1989 أثمرت عن توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون سنة 1991. وفي المقابل، قام الملك الحسن الثاني بزيارات رسمية بارزة إلى مدريد، كان من أبرزها زيارة الدولة التاريخية سنة 1989، والتي جرى خلالها التأكيد على الالتزام المتبادل بالاستقرار في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وتعزيز التبادل الاقتصادي والثقافي.
ومع اعتلاء الملك محمد السادس عرش المملكة المغربية سنة 1999، تواصل هذا المنهج القائم على الدبلوماسية الملكية المباشرة لتعزيز جسور التواصل مع الجارة الشمالية؛ إذ قام جلالته بزيارة دولة إلى مدريد في سبتمبر 2000 بدعوة من الملك خوان كارلوس الأول، ممهدًا المرحلة لإرساء شراكة اقتصادية وأمنية أكثر متانة. ورداً على هذه الزيارة، قام العاهل الإسباني خوان كارلوس بزيارة دولة إلى المغرب في مارس 2005 رفقة الملكة صوفيا، تلتها زيارة أخرى في يوليو 2013 حظيت بست استقبال استثنائي وشكلت دفعاً قويًا لرجال الأعمال والقطاع الخاص في البلدين. ومع اعتلاء الملك فيليبي السادس عرش إسبانيا سنة 2014، اختار المغرب ليكون أول دولة عربية وإفريقية يزورها في زيارة رسمية رفقة الملكة ليتيزيا في يوليو 2014، مما يعكس الأولوية المتقدمة للمغرب في السياسة الخارجية الإسبانية، ليعود العاهل الإسباني فيليبي السادس مجددًا إلى الرباط في فبراير 2019 في زيارة دولة توجت بتوقيع اتفاقيات استراتيجية وتأسيس مجالس أعمال مشتركة. وقد أرسخت هذه القمم والزيارات المتبادلة بين الملكين ثقافة المشاورة الدائمة، مما مكن البلدين من تجاوز التوترات الأزموية والتطلع نحو مستقبل مشترك تُوج بالاعتماد الرسمي للموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية سنة 2022، وصولاً إلى التعاون الثلاثي التاريخي لتنظيم كأس العالم 2030.
وتتطلب المرحلة القادمة من الشعبين المغربي والإسباني وحكومتيهما تجاوز المخلفات النفسية والسياسية لأزمات الماضي، والإيمان الخالص بأن المصير المشترك والجوار الجغرافي وفرص التنمية الواعدة تفرض الارتقاء بهذه العلاقة نحو صداقة متينة ومستدامة. إن تحويل التحديات التاريخية إلى فرص للتعاون الفعال يرتبط بمدى قدرة مؤسسات البلدين، والمجتمع المدني، والإعلام، والفاعلين الاقتصاديين على ترسيخ الحوار الحضاري وتغليب المصالح العليا الشاملة، لتصبح العلاقات المغربية الإسبانية نموذجاً يُحتذى به في التضامن والتكامل الإقليمي بين الضفتين.


تتميز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا بزخم غير مسبوق، حيث تحول البلدان من مجرد شريكين تجاريين إلى قطب اقتصادي وصناعي متكامل في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتُعد إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب على مدار أكثر من عقد من الزمان؛ إذ تجاوز حجم المبادلات التجارية الإجمالي بينهما 22.7 مليار يورو، حيث بلغت الصادرات الإسبانية نحو المغرب زهاء 12.3 مليار يورو، في حين تجتاز الصادرات المغربية نحو إسبانيا عتبة 10.4 مليارات يورو، ولا سيما في مجالات قطع غيار السيارات، والمنتجات الفلاحية، والنسيج.
وعلى مستوى الاستثمارات المباشرة، تتجاوز الاستثمارات الإسبانية التراكمية في المغرب 2.5 مليار يورو، وتنشط أكثر من 800 شركة إسبانية داخل السوق المغربي، إلى جانب وجود 527 شركة مغربية برأس مال إسباني يسيطر فيه المستثمرون الإسبان على أكثر من 50% من رأسمالها.
وفي القطاعات الاستراتيجية والبنية التحتية، حصلت شركة «CAF» الإسبانية على عقد لتزويد المكتب الوطني للسكك الحديدية بالمغرب بـ 40 قطاراً بين المدن ضمن حزمة تمويلات وقروض إسبانية رسمية تتجاوز 750 مليون يورو تحضيراً لاستحقاقات كأس العالم 2030. كما ينفذ تحالف تقوده شركة «Acciona» الإسبانية مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء بقيمة تناهز 613 مليون يورو وبقدرة إنتاجية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنوياً. وفي قطاع الموضة، تدمج مجموعة «Inditex» العالمية المغرب كواحد من أصل 10 تجمعات صناعية عالمية رئيسية لها، إلى جانب التعاون الوثيق في صناعة أجزاء ومكونات السيارات.
أما في مجالات الطاقة والربط القاري، فيمتلك البلدان خطين للربط الكهربائي بقدرة 1400 ميغاوات، مع ضخ الغاز عبر أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي في الاتجاه العكسي. ويسعى الطرفان لتفعيل مشروع الربط القاري بالنفق البحري عبر مضيق جبل طارق بطول يقارب 38 كلم (منها 28 كلم تحت الماء) لربط شبكات السكك الحديدية بين القارتين الإفريقية والأوروبية.

أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!