انتهى الاجتماع الأخير لحزب الحمامة الزرقاء على وقع دموع زرقاء، مشهد أثار الكثير من التساؤلات: هل هي دموع الحزن على فراق عزيز أخنوش، أم دموع الخوف من مستقبل مجهول، أم دموع المحاسبة التي تفرضها المرحلة؟ البعض وصفها بدموع التماسيح، والبعض الآخر قرأ فيها لحظة صدق، لكن المؤكد أنها كشفت أن الحزب يقف أمام مفترق طرق حاسم. انسحاب أخنوش من رئاسة الحزب لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية. الرجل، الذي قاد الحزب في مرحلة حكومية مليئة بالتحديات، وجد نفسه أمام ضغوطات داخلية وخارجية، بين انتقادات الأداء وتراجع الثقة الشعبية، وبين الحاجة إلى تجديد الدماء داخل التنظيم. دوافعه تتوزع بين الرغبة في الانسحاب من واجهة الصراع اليومي، إفساح المجال أمام قيادة جديدة، ومحاولة إنقاذ صورة الحزب قبل أن يفرض الواقع تغييرات أكثر قسوة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل الرئيس الجديد يمتلك الدراية الكافية بالسياسة الحزبية؟ قيادة حزب ليست منصبًا شرفيًا، بل مسؤولية تتطلب خبرة في إدارة التوازنات الداخلية، وفهمًا عميقًا للمشهد الوطني، وقدرة على التواصل مع القواعد والشارع. أي ضعف في هذه الجوانب قد يحوّل دموع الوداع إلى دموع الخوف من مستقبل غامض. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه الدموع لم تُذرف عند الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت مدن المغرب، وأغرقت بيوت المواطنين، حيث كان الشعب بحاجة إلى دموع التضامن وقرارات الإنقاذ، غابت العاطفة السياسية، وحضر الصمت البارد. فبين دموع السياسة ودموع الشعب، يظهر الفرق بين من يبكي على الكراسي ومن يبكي على الأرواح. الحزب اليوم أمام امتحان عسير: إما أن يحوّل لحظة البكاء إلى فرصة للتجديد وإعادة البناء، أو أن يتركها تتحول إلى بداية انحدار. فالمستقبل لن يُبنى بالعاطفة وحدها، بل بالقدرة على صياغة خطاب سياسي مقنع، وترتيب البيت الداخلي، والاستجابة لمآسي المواطنين. إن دموع الاجتماع الأخير، سواء كانت دموع حقيقة أو دموع تماسيح، يجب أن تُقرأ كجرس إنذار لا كخاتمة. فالحزب مطالب بأن يثبت أن انسحاب أخنوش ليس نهاية، بل بداية لمسار جديد، وأن القيادة الجديدة قادرة على حمل المشعل، لا أن تكون مجرد شاهد على مرحلة أفول. والأهم أن السياسة يجب أن تتعلم أن تبكي مع الشعب، لا أن تبكي على نفسها.