في خضم الانفعالات التي قد تثيرها المنافسات الرياضية، ولا سيما كرة القدم بما تحمله من شحنة عاطفية جماهيرية،رغم ان الاصل فيها ان تقرب الهوة بين الشعوب و تجرى في إطار التنافس الشريف و اللعب النظيف ، يطفو إلى السطح أحيانًا خطاب انفعالي عابر، يوحي وكأن مباراة أو نتيجة قادرة على التأثير في علاقات راسخة بين دول وشعوب. غير أن العلاقات المغربية-السنغالية، بما تحمله من أبعاد تاريخية وروحية واقتصادية ووطنية، تظل أعمق من أن تهزّها رياح ظرفية سرعان ما تهدأ وتزول. لقد ارتبط المغرب والسنغال عبر قرون طويلة بروابط روحية متينة، شكّلت الزوايا الصوفية، وعلى رأسها الطريقة التيجانية، جسورًا راسخة للتواصل الإنساني والثقافي بين الشعبين. ففاس وتيفوان وداكار لم تكن مجرد مدن متباعدة جغرافيًا، بل محطات لامتداد روحي واحد، تُغذّيه قيم التسامح والمحبة والاعتدال، وهي قيم صمدت أمام تقلبات السياسة وتغيرات الزمن،و لم تؤثر فيها عوامل البعد الجغرافي. و لعل ما يؤكد هذه الروابط الروحية بين البلدين الذين اعتبرهما، و هذا رايي الشخصي الخاص، شعبا واحدا بقائدبن عظيمين ، ما جاء في البيان الصادر عن مشيخة الطريقة التجانية بالمملكة المغربية، ايام قلائل جدا بعد الاحداث التي تتبعها العالم، اقتطف مه حرفيا هذا النص المعبر و المؤثر الذي يتقطر حسا روحيا عظيما،يقول:” (…)تتابع مشيخة الطريقة التجانية بالمملكة المغربية، ببالغ العناية والاهتمام، ما خلفته الأحداث الأخيرة المرتبطة بمباراة نهائي كأس الأمم الإفريقية من تجاذبات وتوترات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي وفي بعض الأوساط، وهي أحداث لا تعكس بأي حال من الأحوال عمق الجذور التي تربط بين الشعبين الشقيقين في المغرب والسنغال. وعليه، فإن المشيخة، انطلاقاً من مسؤوليتها الروحية والأخلاقية، تود التأكيد على النقاط التالية: أولاً: قدسية الروابط الروحية والرحم المشترك إن ما يجمع المملكة المغربية بجمهورية السنغال يتجاوز حدود الجغرافيا والمصالح السياسية العابرة؛ إنها “رابطة الروح” و”وحدة العقيدة” وأواصر القربى والرحم التي تعززت عبر القرون. فنحن في الحقيقة شعب واحد في بلدين، يجمعهما وجدان مشترك تأسس على المحبة في الله ولله، وهي محبة لا ينبغي لحدث رياضي، مهما بلغت حماسته، أن ينال من متانتها أو يخدش وقارها. ثانياً: إرث الأسلاف الصالحين نستحضر في هذا المقام المسار النوراني الذي خطه أسلافنا الصالحون، والعلماء الأجلاء الذين شيدوا صروح الأخوة بين البلدين. إننا نستلهم الحكمة من سيرة العارفين بالله الذين ارتبطوا بالمغرب ملكاً وشعباً، وفي مقدمتهم: الحاج عمر الفوتي رضي الله عنه و الحاج مالك سي رضي الله عنه والشيخ إبراهيم انياس رضي الله عنه وغيرهم من المشايخ الذين جعلوا من الزوايا التجانية جسوراً للتواصل والتعاون المثمر، ومنارات للعلم والتقوى، ربطت فاس بدكار وسائر ربوع السنغال برابطة لا تنفصم. ثالثاً: التحذير من دعاة الفتنة تدعو مشيخة الطريقة التجانية كافة المريدين والمحبين، وعموم الشعبين الشقيقين، إلى التحلي باليقظة والحكمة، وعدم الانسياق وراء دعاة الفتنة والتطرف والعنف الذين يحاولون استغلال المنافسات الرياضية لبث الفرقة وتسميم الأجواء. فالأخوة الإيمانية تقتضي منا التسامح والتغاضي عن الهفوات، وتغليب لغة العقل والقلب على لغة الاندفاع والتعصب. واعتبارا لما سبق فإننا ندعو إلى تجاوز هذه السحابة العابرة، ومواصلة مسيرة التعاون والتضامن في كافة المجالات. فالمغرب والسنغال سيبقيان، كما كانا دائماً، نموذجاً يحتذى به في التآخي الإفريقي الصادق، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وأخيه باشيرو ديوماي فاي في القيادة السنغالية. ”إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” حفظ الله المغرب والسنغال، وأدام عليهما نعمة الأمن والأمان والمودة والمحبة.”( انتهى نص المقتطف) و جدير ذكره انه مباشرة بعد الاحداث تواصلت هاتفيا مع شخصية سنغالية اكن لها تقديرا خاصا هي السيد بابو سين القنصل العام للسينغال بالداخلة،الذي عبر عن استيائه مما وقع، معربا عن تاكيده على التعجيل بالخروج من هذه الوضغية التي لا تخدم سوى اعداء الوحدة المغربية السنغالية.هذا الرجل ، و هذه شهادة امام الله و التاريخ، تميز بتواصله الايجابي و قدرته الفائقة على الإنصات لنبض افراد الجالية تالسنغالية بالداخلة ، كما تتسم شخصيته الفذة لالتفكير الهادف الهادئ و الحوار البناء ، هذا ناهيك عن تواصله المتواصل مع مكونات ساكنة الداخلة، حيث يتواجد مقر القنصلية العامة للسنغال،و هو مقتنع دائما ان المصالح المغربية السنغالية هي فوق كل اعتبار و الشراكة بينهما وصلت حد الاخوة و الثقة المتبادلةو التعاون المشترك النوعي النموذجي. و لا ننسى ان اكبر جالية افريقية بجهة الداخلة وادي الذهب هي الجالية الافريقية، التي توفر يد عانلة نشيطة في العديد من الحرف و المجالات، افراد هذه الجالية يتعايشون مع ساكنة الداخلة، في احترام تام لديانتيهم الاسلامية و المسيحية، حيث يمارسون شعائرهم و طقوسهم الدينية بحرية في الكنيسة الكاتدرائية الكائن مقرها قبالة ساحة الحسن الثاني بالداخلة ، القائمون عليها اسبان ، هذه الجالية تحظى باحترام كبير من طرف الساكنة، بل من السنغاليين من تصاهر مع مغاربة مقيمين بالداخلة. اماعلى المستوى التاريخي، لم تكن العلاقات بين البلدين وليدة اللحظة، بل تأسست على الاحترام المتبادل والتضامن الإفريقي الصادق. فقد ظل المغرب حاضرًا في دعم القضايا الإفريقية العادلة، والسنغال من الدول التي عبّرت باستمرار عن تقديرها لهذا الدور، في انسجام تام مع رؤية مشتركة لإفريقيا متماسكة، مستقلة القرار، منفتحة على التنمية والشراكات المتوازنة. أما على النستوى الاقتصادي، فقد تجاوز التعاون المغربي-السنغالي منطق المجاملة الدبلوماسية إلى شراكات استراتيجية تشمل قطاعات حيوية كالبنوك، والفلاحة، والبنيات التحتية، والتكوين، والطاقات المتجددة. وهو تعاون قائم على مبدأ “رابح-رابح”، يعكس وعيًا مشتركًا بأن التنمية المستدامة لا تبنى بالانفعال، بل بالثقة والاستمرارية وتكامل المصالح. وفي البعد الوطني والإنساني، تجمع الشعبين روابط وجدانية عميقة، تتجلى في الحضور القوي للجالية السنغالية بالمغرب، وفي الاحترام المتبادل الذي يطبع التعايش اليومي، وفي صورة المغرب لدى المواطن السنغالي، والسنغال لدى المواطن المغربي، باعتبارهما بلدين شقيقين تجمعهما إفريقيا والهوية والانتماء. من هذا المنطلق، و مع استحضار عوامل اخرى لا يتسع المجال لذكرها، فإن الانفعالات الكروية، مهما اشتدت حدتها في لحظة تنافس، تبقى مجرد سحابة صيف سرعان ما تنقشع، لأن ما يجمع المغرب والسنغال أكبر من مجرد مباراة، وأعمق من نتيجة، وأرسخ من خطاب عابر على منصات التواصل الاجتماعي. لقد علّمتنا التجارب أن الرياضة مجال للفرجة والتنافس النبيل، وليست مقياسًا للعلاقات بين الدول. أما العلاقات المغربية-السنغالية، فقد كُتبت بحبر التاريخ مداده من ذهب، وتغذّت من عمق الروح، وترسّخت بمصالح مشتركة ورؤية إفريقية موحّدة ، ولذلك ستظل صامدة، مهما هبّت رياح عابرة، لأن الجذور العميقة لا تقتلعها العواصف المؤقتة.