جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

المحكمة الدستورية تنتصر لحرية الصحافة وتعيد التوازن إلى التشريع

0 1٬373
في لحظة دقيقة من المسار التشريعي المغربي، يطفو إلى السطح مجددًا النقاش حول حدود السلطة التشريعية، ومكانة المؤسسات الدستورية في حماية التوازنات الكبرى، وضمان استقلالية التنظيمات المهنية ذات الصلة بحرية التعبير والصحافة. إن قرار المحكمة الدستورية بإرجاع بعض مقتضيات مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى المسطرة التشريعية، يعكس بوضوح أن النصوص القانونية، مهما كانت دوافعها السياسية أو التنظيمية، لا يمكن أن تتجاوز سقف الدستور ولا أن تفرض واقعًا جديدًا على حساب المبادئ المؤسسة للحياة الديمقراطية. فالمجلس الوطني للصحافة ليس مجرد هيئة إدارية، بل هو تجسيد لفكرة التنظيم الذاتي للمهنة، وضمانة لحرية الصحافة وتعددية الأصوات، وهو ما يجعل أي تعديل في تركيبته أو صلاحياته أو آليات تأديبه مسألة تتجاوز التقنية القانونية لتلامس جوهر التوازن بين الدولة والمجتمع المدني المهني.
لقد أظهر النقاش البرلماني حول هذا المشروع حجم التوتر بين الحكومة والمعارضة، حيث اختارت السلطة التنفيذية أن تمرر النص مستندة إلى أغلبيتها العددية، دون أن تنفتح على تعديلات أو مقترحات كان يمكن أن تمنح القانون شرعية توافقية أوسع. هذا الإصرار على تمرير المشروع كما هو، دفع فرق المعارضة إلى الانسحاب من جلسات التصويت، ثم إلى اللجوء إلى المحكمة الدستورية باعتبارها الملاذ الأخير لحماية الدستور وضمان عدم تغول الأغلبية. وهنا تتجلى أهمية المؤسسات الدستورية كصمام أمان، إذ إن تدخل المحكمة يعيد التوازن إلى العملية التشريعية، ويؤكد أن الديمقراطية ليست مجرد أرقام داخل قاعة التصويت، بل هي أيضًا احترام للحقوق والحريات، وإصغاء إلى التحذيرات الصادرة عن هيئات استشارية وحقوقية معتبرة.
إن ما يميز هذه اللحظة هو أن النقاش لم يعد محصورًا في تفاصيل تقنية تتعلق بتركيبة المجلس أو صلاحيات رئيسه، بل أصبح يعكس صراعًا أعمق حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمهنة الصحفية، وحول مدى استعداد السلطة السياسية للاعتراف باستقلالية التنظيم الذاتي للصحفيين والناشرين. فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، قدما آراء استشارية واضحة تحذر من اختلالات دستورية وقانونية في النص، وهو ما يعكس أن القضية ليست مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي مسألة مبدئية تتعلق بمستقبل حرية الصحافة في المغرب. إن تجاهل هذه الآراء، والتمسك بتمرير النص كما هو، يطرح أسئلة جدية حول مدى احترام الحكومة لمبدأ التشاركية في التشريع، وحول تصورها لدور المؤسسات الوسيطة في صناعة القرار.
من هنا، فإن قرار المحكمة الدستورية، حتى وإن لم يصدر بعد بشكل رسمي ونهائي، يمثل لحظة فارقة ينبغي أن تُقرأ بعناية. فهو يعيد الاعتبار إلى فكرة أن الدستور ليس مجرد وثيقة مرجعية، بل هو سلطة عليا تفرض نفسها على الجميع، حكومة ومعارضة ومؤسسات. كما أنه يفتح الباب أمام مراجعة جوهرية لبعض المقتضيات التي قد تهدد استقلالية المجلس الوطني للصحافة، ويمنح فرصة لإعادة صياغة النص بما يضمن التوازن بين الحاجة إلى تنظيم المهنة وبين ضرورة احترام حرية الصحافة وتعددية الأصوات. إن هذه المراجعة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي المغربي على التوفيق بين منطق الأغلبية العددية ومنطق الشرعية الدستورية.
في النهاية، يمكن القول إن ما يجري اليوم حول مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة هو أكثر من مجرد معركة قانونية؛ إنه محطة تكشف عن طبيعة التوازنات داخل المشهد السياسي المغربي، وعن حدود السلطة التنفيذية في مواجهة المؤسسات الدستورية والهيئات المهنية. إنها لحظة تستدعي من الجميع، حكومة ومعارضة ومجتمع مدني، أن يدركوا أن حرية الصحافة ليست امتيازًا يمنح أو يسحب، بل هي ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، وأن التنظيم الذاتي للمهنة ليس ترفًا، بل هو شرط لضمان استقلالية الكلمة وحماية الرأي العام من هيمنة السلطة أو منطق السوق. إن المحكمة الدستورية، بقرارها هذا، تذكرنا بأن الديمقراطية ليست مجرد شعارات، بل هي ممارسة يومية تتجسد في احترام الدستور، وفي صون المؤسسات، وفي حماية الحريات التي تشكل جوهر العقد الاجتماعي.
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!