تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025 ليس حدثًا رياضيًا فحسب، بل رهان اقتصادي وسياحي ضخم. المملكة تراهن على استقطاب آلاف الزوار وتنشيط قطاعات النقل، الإيواء، والمطاعم، إلى جانب تعزيز صورة المغرب كوجهة قادرة على تنظيم تظاهرات كبرى. هذه البطولة تُقدَّم باعتبارها فرصة لتسويق الوجه الحضاري للبلاد، وإبراز قدرتها على الجمع بين البنية التحتية الحديثة والروح الإفريقية الأصيلة. غير أن هذه الرهانات لا تتحقق إلا إذا ظل السوق منضبطًا والخدمات في مستوى تطلعات الجماهير.
اختلالات السوق: حين يتحول الاحتفال إلى عبء
في مقابل هذا الطموح، برزت اختلالات واضحة مع انطلاق البطولة. تقارير ميدانية وشهادات مواطنين أظهرت زيادات مفاجئة في أسعار المشروبات والخدمات، وصلت في بعض الحالات إلى الضعف مقارنة بالأيام العادية. بعض المقاهي والمطاعم فرضت شروطًا جديدة مثل إلزام الزبون باستهلاك وجبة كاملة أو احترام حد أدنى للاستهلاك دون إعلان مسبق. هذه الممارسات، التي اعتبرها خبراء خرقًا لقانون حماية المستهلك رقم 31.08، تكشف عن ضعف آليات المراقبة والزجر، حيث بقي تدخل لجان المراقبة محدودًا وغير استباقي. وهكذا، تحوّل “الكان” بالنسبة لبعض المهنيين إلى فرصة لتحقيق أرباح ظرفية على حساب الشفافية والعدالة.
صورة المغرب داخليًا وخارجيًا: بين الثقة والرهان
تداعيات هذه الاختلالات لا تقف عند حدود المستهلك المحلي، بل تمتد إلى صورة المغرب لدى الزوار الأجانب. أي تجربة سلبية يتم تداولها على المنصات الرقمية قد تؤثر على سمعة الوجهة المغربية، وتحوّل الربح السريع إلى خسارة استراتيجية على المدى المتوسط. داخليًا، يثير هذا الواقع تساؤلات حول قدرة المنظومة المؤسسية على حماية المواطن في لحظات الضغط الاستثنائي، ويضع المستهلك أمام اختبار الثقة في القوانين والهيئات الرقابية. وخارجيًا، يصبح نجاح البطولة مرتبطًا ليس فقط بالتنظيم داخل الملاعب، بل أيضًا بقدرة المغرب على تقديم تجربة متكاملة تحترم حقوق المستهلك وتكرّس صورة بلد يجمع بين الفرجة والعدالة الاقتصادية.
الكان 2025 إذن ليس مجرد بطولة رياضية، بل اختبار مزدوج: اختبار رياضي فوق العشب، واختبار مؤسساتي في السوق. نجاح المغرب في هذا التحدي يمر عبر الصرامة في تطبيق القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ ثقافة احترام المستهلك. فكما أن الجماهير تنتظر الانتصارات داخل الملاعب، فإنها أيضًا تتطلع إلى انتصار قيم الشفافية والعدالة خارجها، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من صورة المغرب الحديثة.