حين نتأمل في موقع الجيش المغربي ضمن منظومة حفظ السلام الأممية، حيث يتربع على الصف الثاني عشر عالميًا، ندرك أن الأمر ليس مجرد ترتيب رقمي، بل هو شهادة على مسار طويل من التضحيات والالتزام. فالجيش الذي وُلد من رحم معارك الدفاع عن الوطن، لم يحصر نفسه في حدود التراب الوطني، بل حمل رسالته إلى العالم، ليكون جنديًا في خدمة الإنسانية، لا فقط في خدمة السيادة.
من الدفاع إلى المشاركة الدولية
القوات المسلحة الملكية المغربية لم تكتفِ بدور الحارس الداخلي، بل انخرطت منذ عقود في بعثات حفظ السلام تحت لواء الأمم المتحدة. من الكونغو إلى هايتي، ومن إفريقيا الوسطى إلى الصحراء، كان حضور الجنود المغاربة علامة على أن المغرب لا ينغلق على ذاته، بل يرى في الأمن الدولي امتدادًا لأمنه الوطني. هذه المشاركة لم تكن رمزية، بل عملية، حيث ساهم المغرب بآلاف الجنود والضباط في مهام معقدة، ما جعله ضمن الدول الأكثر حضورًا في الميدان.
الاستثمار في السلام
الجيش المغربي لا يشارك فقط بالرجال، بل أيضًا بالموارد. تخصيص ميزانيات ضخمة لدعم عمليات السلام يعكس أن المغرب يعتبر هذه المهام جزءًا من استراتيجيته الوطنية. فالمساهمة المالية ليست مجرد واجب دولي، بل هي إعلان أن المغرب يرى في السلام العالمي استثمارًا في استقراره الداخلي، وفي صورته كدولة مسؤولة.
المساهمة الفكرية والتنظيمية
إلى جانب المشاركة الميدانية والمالية، يساهم الجيش المغربي في صياغة الأدلة والآليات التشغيلية للأمم المتحدة، مثل مشاركته في إعداد الدليل التشغيلي لوحدات المدفعية. هذا البعد الفكري والتنظيمي يُظهر أن المغرب لا يكتفي بأن يكون منفذًا، بل شريكًا في صياغة قواعد اللعبة الدولية.
البعد الرمزي والوطني
الجيش المغربي، وهو يتربع على الصف 12 عالميًا، يجسد صورة المغرب كدولة تجمع بين السلاح والسلام. فالسلاح هنا ليس أداة للهيمنة، بل وسيلة لحماية الأرواح، والسلام ليس مجرد شعار، بل ممارسة يومية في الميدان. هذه الثنائية تمنح المغرب مكانة خاصة: دولة صغيرة نسبيًا من حيث القوة الاقتصادية، لكنها كبيرة من حيث الرسالة الإنسانية.
بين الداخل والخارج
هذا الدور الأممي لا ينفصل عن الداخل المغربي. فالمواطن الذي يرى جيشه يشارك في حماية شعوب أخرى، يتساءل أيضًا عن دوره في حماية الشعب المغربي من الكوارث الطبيعية والمشاكل الاجتماعية. وهنا تكمن المفارقة: جيش يُكرّس نفسه للسلام العالمي، ومجتمع ينتظر أن يُترجم هذا الالتزام إلى حماية فعلية داخلية من الفياضانات والهشاشة.
جيش الرسالة
الجيش المغربي ليس مجرد مؤسسة عسكرية؛ إنه حامل لرسالة مزدوجة: الدفاع عن الوطن، والمساهمة في بناء السلام العالمي. تبوؤه الصف 12 عالميًا في حفظ السلام الأممي هو اعتراف دولي بقدرته على الجمع بين القوة والإنسانية، بين السلاح والرسالة. لكن التحدي الأكبر يبقى في أن ينعكس هذا الدور الأممي على الداخل المغربي، ليشعر المواطن أن جيشه لا يحمي فقط حدود الوطن، بل أيضًا كرامة الإنسان اينما كان في مواجهة الأزمات.