جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

الجمعيات المدنية… بين الفعل التطوعي والبحث عن التمويل

0 327
عرف المغرب خلال العقود الأخيرة طفرة كمية في عدد الجمعيات، حتى أصبح مشهدًا متنوعًا يضم آلاف التنظيمات في مختلف المجالات: اجتماعية، ثقافية، بيئية، وحقوقية. رياضية . غير أن هذه الكثرة لم تُترجم دائمًا إلى قوة نوعية، إذ تحولت بعض الجمعيات إلى فضاءات للبحث عن التمويل أو الوجاهة الاجتماعية، بينما ظهرت أيضًا جمعيات وهمية أنشأها بعض المستشارين والفاعلين السياسيين، ليس لخدمة المجتمع، بل كأدوات انتخابية أو شبكات دعم شخصي. وهكذا، فقدت جزءًا من بوصلتها الأصلية.
كثير من الجمعيات اليوم تعيش أزمة هوية: هل هي مؤسسات تطوعية مستقلة تخدم المجتمع، أم مجرد واجهات مرتبطة بمصالح شخصية أو حزبية؟ هذا الغموض جعلها تفقد ثقة جزء من المواطنين، الذين باتوا ينظرون إليها كأدوات للظهور الإعلامي أو كأذرع انتخابية أكثر من كونها قنوات فعل مدني.
فبعض المستشارين يخلقون جمعيات على الورق فقط، بهدف الحصول على التمويل أو تلميع صورتهم أمام الناخبين. كما تستخدم في بعض الاحيان كأدوات انتخابية، تُفعَّل في مواسم الحملات ثم تختفي بعدها.
فوجودها يُشوّش على الجمعيات الجادة، ويخلق صورة سلبية عن القطاع بأكمله، مما يهدد مصداقيته كأداة وساطة مستقلة.
من جهة أخرى بدل أن تركز الجمعيات على خدمة القضايا الاجتماعية والبيئية، انخرطت بعض التنظيمات في صراعات سياسية أو في البحث عن دعم خارجي، ما جعلها تنحرف عن رسالتها الأصلية. هذا التوجه أضعف قدرتها على التأثير، وحوّلها في بعض الأحيان إلى مجرد هياكل بلا روح.
وحين تفقد الجمعيات بوصلتها، ينعكس ذلك مباشرة على علاقة المواطن بالفعل المدني. فالمغربي الذي كان يلجأ إلى الجمعيات للمساعدة أو للتعبير عن اهتماماته، أصبح اليوم يشكك في جدواها، ما أدى إلى ضعف المشاركة المدنية وتراجع الثقة في العمل التطوعي.
فالجمعيات ليست مجرد تنظيمات صغيرة؛ إنها رمز للتضامن الاجتماعي، وللقدرة الجماعية على بناء مجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا. وحين تتحول إلى فضاءات للبحث عن التمويل أو أدوات انتخابية، فإنها لا تفقد فقط قدرتها على التأثير، بل تفقد أيضًا رمزيتها كصوت للمجتمع المدني، لتصبح مجرد وسائطية فارغة.
أزمة الجمعيات المغربية اليوم هي أزمة هوية قبل أن تكون أزمة موارد. فإذا أرادت أن تستعيد مكانتها، فعليها أن تعود إلى جوهرها: خدمة المجتمع، تعزيز التضامن، والدفاع عن القيم المدنية. وإلا فإنها ستظل مؤسسات فقدت بوصلتها، تائهة بين التمويل والظهور، وعاجزة عن أداء رسالتها الإنسانية.
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!