جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

الصحافة المغربية بين فضيحة سحب الحقوق وصورة بلد يتراجع اجتماعياً أمام العالم

0 221
الفضيحة الأخيرة التي فجّرها الوزير بنسعيد بسحب الاتفاقية الجماعية من مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة ليست مجرد تفصيل قانوني يمكن تجاوزه، بل هي علامة فارقة تكشف عن مسار أوسع من التراجع عن الحقوق الاجتماعية في المغرب. فحين يُحرم الصحافيون من ضماناتهم المهنية، وهم الذين يُفترض أن يكونوا صوت المجتمع ومرآته، فإن الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج معاً هي أن الدولة اختارت الانحياز إلى منطق السوق والباطرونا على حساب العدالة والكرامة.
هذه الخطوة تعكس أزمة ثقة عميقة بين الجسم الصحافي والوزارة، وتعيد إلى الواجهة سؤال استقلالية الإعلام في بلد يطمح لأن يكون نموذجاً إقليمياً. فالإعلام الذي يُفترض أن يلعب دور السلطة الرابعة، يُعاد تشكيله ليصبح أداة في يد الناشرين وأصحاب الامتيازات، بينما يُترك الصحافيون في موقع هشّ، بلا حماية قانونية واضحة ولا ضمانات اجتماعية تليق بمكانتهم.
لكن القضية لا تقف عند حدود الصحافة. ما يحدث هنا هو صورة مصغرة لما يحدث في قطاعات أخرى: في التعليم، حيث تقلصت مكتسبات الأساتذة المتعاقدين؛ في الصحة، حيث بقيت أوضاع الأطر الصحية هشّة رغم وعود الإصلاح؛ وفي سوق الشغل، حيث تتنامى الهشاشة ويضعف الضمان الاجتماعي. كلها حلقات في سلسلة واحدة عنوانها التراجع عن الحقوق الاجتماعية، وتغليب منطق الامتيازات الاقتصادية على منطق العدالة الاجتماعية.
أما في الخارج، فإن العالم يقرأ هذه التطورات بعين ناقدة. صحيح أن المغرب تقدم في تصنيفات حرية الصحافة، لكن هذه الأرقام لا تخفي واقعاً أكثر تعقيداً: تعددية شكلية، ضغوط على الصحافيين المستقلين، وتغليب مصالح الناشرين على صوت المهنة. بذلك تصبح الصحافة المغربية مرآة مشوشة لمجتمع يتأرجح بين الإصلاح والتراجع، بين الحرية والقيود، وبين الطموح إلى التقدم والواقع الذي يضعف أهم أدواته الديمقراطية.
الخلاصة أن فضيحة سحب الاتفاقية الجماعية ليست حدثاً معزولاً، بل هي جرس إنذار جديد يؤكد أن مستقبل الصحافة المغربية يسير في اتجاه يضعف الصحافيين ويقوي أصحاب الامتيازات، ويجعل صورة المغرب أمام العالم صورة بلد يطمح للتقدم لكنه يضعف مرآته الأساسية: الإعلام الحر والمسؤول.
إن الدفاع عن الاتفاقية الجماعية ليس مطلباً نقابياً فحسب، بل هو دفاع عن هوية المغرب الاجتماعية والديمقراطية، وعن حق المجتمع في أن يرى نفسه بوضوح في مرآة صحافة مستقلة، لا في انعكاس مشوش تفرضه السلطة والمال.
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!