في زمن التحولات، لم يعد الصمت خيارًا. فبعد أن أعلن مجلس الأمن دعمه الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، بات واضحًا أن التحالف بين الجزائر وجبهة البوليساريو يواجه أزمة شرعية، وتصدعًا داخليًا، وعزلة دبلوماسية غير مسبوقة.
الجزائر، التي لطالما قدّمت نفسها كـ”طرف غير مباشر”، تجد نفسها اليوم في قلب المعادلة، بعدما انكشفت أدوارها في التمويل، والتوجيه، والاحتضان السياسي والعسكري للجبهة الانفصالية. هذا الدعم، الذي استمر لعقود، لم يُثمر إلا مزيدًا من المعاناة داخل مخيمات تندوف، ومزيدًا من التوتر في المنطقة المغاربية.
لكن التحول الحقيقي لا يكمن فقط في المواقف الدولية، بل في نبض القبائل والعائلات الصحراوية، التي بدأت تُعيد النظر في ولاءاتها، وتُطالب بالكرامة، والتمثيل الحقيقي، والانخراط في مشروع وطني يضمن لها مستقبلًا أفضل.
إن المغرب، بثباته الدبلوماسي، ومشاريعه التنموية في الأقاليم الجنوبية، يُقدّم اليوم نموذجًا واقعيًا للحل، يُزاوج بين الإنصاف التاريخي والانفتاح السياسي. وفي المقابل، يستمر التحالف الجزائري-الانفصالي في التآكل، بفعل التناقضات الداخلية، وغياب الأفق، وتزايد الأصوات الرافضة للمغامرة الانفصالية.
الرأي العام المغربي مدعو اليوم إلى قراءة هذا التحول بوعي، لا من باب الانتصار، بل من باب المسؤولية. فالمصالحة الوطنية تبدأ من الاعتراف، والتواصل، والانفتاح، لا من الإقصاء أو التشفي. والجزائر، إن أرادت مستقبلًا للمنطقة، عليها أن تُراجع حساباتها، وتُنهي دعمها لمشروع لم يعد له مكان في منطق التاريخ ولا في منطق الجغرافيا.
القبائل والعائلات الصحراوية، التي كانت تُقدَّم كحاضنة اجتماعية للمشروع الانفصالي، تجد نفسها اليوم أمام سؤال وجودي: هل تستمر في الاصطفاف خلف قيادة فقدت شرعيتها الدولية؟ أم تُعيد تموضعها ضمن مشروع وطني يضمن الكرامة والتنمية والتمثيل الحقيقي؟
داخل مخيمات تندوف، تتزايد مؤشرات الاحتقان، ويعلو صوت العائلات التي سئمت من التهميش، ومن استغلال أبنائها في معارك لا تملك فيها رأيًا ولا قرارًا. لم يعد الصمت خيارًا، خاصة بعد أن أصبح الحكم الذاتي مدعومًا من المنتظم الدولي، وبدأت بوادر العودة إلى الوطن تُغري من ضاقت بهم سبل الحياة في المنفى.
إن التحول الدولي لا يُقاس فقط بالبيانات الرسمية، بل بما يُحدثه من زلزال داخل البُنى الاجتماعية. والقبائل الصحراوية، بما لها من وزن رمزي وتاريخي، قادرة على قلب المعادلة، ليس عبر المواجهة، بل عبر المصالحة، والعودة إلى الجذور، والانخراط في بناء مغرب الجهات، مغرب الإنصاف، مغرب المستقبل.
فهل تلتقط القيادة الانفصالية هذه الإشارة؟ أم تستمر في تجاهل نبض القبائل، حتى تُفاجأ بانهيار ما تبقى من شرعيتها؟