في ضوء الخطاب الملكي الأخير، يبدو أن قضية الصحراء المغربية دخلت فعليًا طور الحسم السيادي، حيث يقترب تنزيل مشروع الحكم الذاتي – الذي لطالما اقترحه المغرب بواقعية وشجاعة – من أن يصبح واقعًا ميدانيًا ونهائيًا، يؤسس لمنظومة جهوية ديمقراطية ذات مصداقية، ويُخرس كل الأصوات التي راهنت طيلة عقود على إبقاء الملف في دائرة النزاع المفتوح.
غير أن تحقيق هذا التحول التاريخي لا يمكن أن يتم وسط أعطاب مؤسساتية أو في ظل استمرار فقدان الثقة الشعبية، كما حدث عقب كارثة 8 شتنبر 2021 التي لم تُسئ فقط لصورة الدولة داخليًا وخارجيًا، بل كشفت حجم التناقض بين إرادة الأمة ومخرجات صناديق مشكوك في سلامتها، وعززت الشعور العام بأن الإرادة الشعبية تم الالتفاف عليها لصالح شبكات سياسية واقتصادية بعيدة كل البعد عن نبض المواطن ومصالحه.
اليوم، تحولات الداخل والخارج تفرض على المغرب – دولة ونظامًا – استباق الزمن لا مجاراته، والانخراط في مراجعة حقيقية لنموذجه السياسي، عبر استعادة ثقة المواطن وخلق مؤسسات تستمد مشروعيتها من شرعية الاقتراع الحر لا من حسابات فوقية أو تفاهمات مغلقة.
فالرهانات لم تعد محصورة في نزاع ترابي فقط، بل صارت تتعلق بـصورة الدولة أمام شعبها أولاً، وأمام شركائها في الخارج ثانيًا. والمطلوب الآن ليس مجرد تصحيح اختلالات، بل تأسيس مرحلة سياسية جديدة، تُقطع فيها مع ممارسات الماضي، ويتم فيها تحييد أدوات التزوير والبلطجة والتوجيه القبلي للنتائج، لصالح مشهد سياسي نقي يفرز نخبة جديدة تعبّر عن العمق الحقيقي لهذا الشعب.
وفي هذا الإطار، لم يكن كلام وزير الداخلية – في لقائه مع قادة الأحزاب عقب الخطاب الملكي – مجرّد بروتوكول سياسي، بل حمل في طياته رسائل واضحة: هناك إرادة سيادية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وهناك إدراك بأن المغرب الذي يدافع في الخارج عن وحدة أراضيه ومشروعية مقترحه، لا يمكنه أن يظل في الداخل رهين مشاهد عبثية تعيد إنتاج الفساد، وتُسهم في تسفيه الممارسة السياسية.
إن مشروع الحكم الذاتي في الجنوب لا بد أن يتكامل مع انتخابات نزيهة في الشمال، لأن الجهتين تمثلان في العمق اختبارًا واحدًا لصدقية الدولة في التعاطي مع قضايا الحكم، وقوة الدولة في مواجهة التحديات لا تُقاس فقط بقدرتها على ضبط الأمن أو السيطرة على التراب، بل بمدى شرعية مؤسساتها واحترامها لإرادة مواطنيها.
لقد أثبت النظام السياسي المغربي مرارًا قدرته على التكيّف الذكي مع التحولات، دون أن ينفلت أو ينكسر، في وقت انهارت فيه أنظمة أخرى بسبب جمودها وتكبرها على التغيير، واستخفافها بإرادة شعوبها. وهذه المرونة الاستراتيجية التي يتمتع بها المغرب، ينبغي أن تُستثمر اليوم لا في ترقيع منظومة متآكلة، بل في تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي يعيد الثقة ويرفع من منسوب الانخراط الشعبي.
فالمغرب الذي يستعد لدخول نادي الدول الكبرى، لا يحتاج فقط إلى بنية تحتية قوية أو علاقات ديبلوماسية ناجحة، بل إلى مؤسسات سياسية تحظى بالاحترام الشعبي، ونخب نزيهة، ومشهد انتخابي نابع من التنافس الشريف، لا من منطق التحكم والتعيين المقنع.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ليست مجرد لحظة إصلاحية، بل منعطف تاريخي يُمهد لوطن جديد، قائم على شرعية حقيقية لا على توافقات صورية، وعلى اختيار شعبي وطني حر، لا على توافقات فوقية متجاوزة.
إن الرهان على الحكم الذاتي جنوبًا يفترض وجود نموذج ديمقراطي يقنع المواطن شمالًا، وإلا فكيف نطالب العالم بالاعتراف بمصداقيتنا، ونحن لا نحترم أصوات ناخبينا في جماعة أو إقليم؟
المغرب على أعتاب تحول كبير. وإذا أحسنا الإمساك باللحظة، فسنخرج من هذه المرحلة أقوى، أكثر تماسكًا، وأقرب إلى الصورة التي نحلم بها منذ عقود: دولة حديثة، ذات سيادة، مؤسساتها نابعة من الشعب، وقادرة على رفع التحديات الجيوسياسية والاقتصادية برؤية وطنية صلبة وشرعية ديمقراطية لا غبار عليها.