نسي ممثلو دول العالم مشكلات الشرق والغرب من حروب وأزمات في الماء والمناخ والهجرة السرية وهلم جرا، وصار كل همهم فك ألغاز عبارة «الزيطة والزمبليطة» التي وردت في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ووصل الأمر لدرجة أن دبلوماسيا غربيا استعان بسفير عربي ليشرح له معنى «زيطة وزمبليطة»، كما قال الإعلامي نزيه الأحدب في برنامج «فوق السلطة» على فضائية «الجزيرة». وبدا أن «أبو مازن» لا يستسيغ حصر فلسطين في صفة «عضو مراقب» داخل الهيئة الأممية، حيث قال بحسرة: «كل هذه الهالة. هذه الزيطة والزمبليطة. 15 مليون فلسطين كلهم متعلمون. كلهم مثقفون. ونحن فقط عضو مراقب. طيب، ماشي!» عدد من رواد شبكات التواصل الاجتماعي تداولوا الفيديو في الفضاء الافتراضي مقترنا بتعليقات طريفة، وتساءل بعضهم: كيف يا ترى قام مترجمو الأمم المتحدة بترجمة العبارة المذكورة إلى اللغات الأساسية المعتمدة؟ وهكذا، طُرحت «اجتهادات» في هذا الاتجاه، فيما رجع آخرون إلى أصل عبارة «الزيطة والزمبليطة»، مرجّحين أن تكون «الزيطة» عربية فصيحة وليست عامية فحسب؛ فجاء التأكيد من قاموس «المعاني» الذي فسّرها بالجلبة والصياح واختلاط أصوات الناس في مكان محدد، بسبب واقعة ما! المشارقة اعتادوا على استعمال هذه العبارة في عامّيتهم اليومية، أما المغاربة فتلقّفوها من خلال المسلسلات والأفلام المصرية التي غزت التلفزيونات المحلية منذ عدة عقود، حتى صارت لهجة أرض الكنانة معروفة ومألوفة لدى الصغير والكبير. وهذا هو سر قول طائفة من الفنانين والإعلاميين المصريين إن لهجتهم هي الأقرب إلى العربية الفصحى، بحكم الانتشار الواسع، بينما يجدون لهجة المغاربة عصية على الفهم في نظرهم، وإن كانت أغان مغربية خالدة كسّرت هذه القاعدة، مثل إبداعات ناس الغيوان وجيل جيلالة ونعيمة سميح وعبد الوهاب الدكالي ورجاء بلمليح… وغيرهم، حيث ما زالت تلك الأغاني تتداول إلى اليوم في المشرق العربي، وتؤديها أصوات مختلفة بكلماتها المغربية المحلية.
مغني «محشش» يهز البرلمان المغربي!
أما «الزيطة والزمبليطة» القائمة حاليا في المغرب فوراؤها مغنّ «محشش» يفتخر علانية بتدخين الحشيشة. بدأها بإشهار سلوكه الشخصي أمام الصحافيين الذي نقلوا كلامه بالصوت والصورة إلى الجمهور، وواصلها في حفل «الطايح فيه كثر من النايض» كما يقول المغاربة، (أي الساقط أكثر من الواقف)، حيث كثرت السرقات والتحرشات الجنسية والممارسات البذيئة بين جمهور اختلط فيه الحابل بالنابل، عاشق موسيقى «الراب» بصاحب العاهات النفسية والعقلية! ووصل دخان «الحشيشة» حتى قبة البرلمان، لينتفض نواب في وجه وزير الشباب والثقافة والتواصل راعي حفل الرباط وداعم مهرجان الدار البيضاء، فلم يجد من حل سوى الاحتماء بمقولة «حرية الإبداع»، وكان حريا به أن يضيف إليها حرية المجاهرة باستهلاك المخدرات، من باب تشجيع الشباب عليها، مع أن ذلك يندرج ضمن الجنح التي يعاقب عليها القانون! الذين انحازوا إلى صف المغني «المحشش» (وهم قلة) أعلنوا صراحة عن القدوة التي يدافعون عنها، وضربوا عرض الحائط المرجعيات الكبرى الناظمة للبلاد والقوانين التي تحكم علاقة المواطن بالفضاءات العمومية. والغريب أنهم جعلوا من مقولة «حرية الإبداع» مطية لتبرير ذلك السلوك المستهجن، معتبرين أن كل من ينتقد أصحابه يمارسون الوصاية على الفنان، وينحازون نحو «القوى الظلامية»! في حين أن مُنتقدي مغنّي «الراب» لم يعيبوا عليه أغانيه بحد ذاتها، وإنما مجاهرته بتعاطي المخدرات أمام الملأ وفي فضاء عمومي وعبر وسائل الإعلام، علما بأن القانون المغربي واضح وصريح في هذا السياق.
حكاية منع في عاصمة الأنوار!
فرنسا التي طالما تغنت بحرية التعبير وحقوق الإنسان، تمنع مقابلة تلفزيونية مع ناشط سياسي معارض للسلطة في الجزائر، استجابة ـ على ما يبدو ـ للضغط الذي مارسه «قصر المرادية»؛ وذلك بعدما بثت القناة من قبل مرات عدة إعلانا ترويجيا للمقابلة المنتظرة. فقبل دقيقتين فقط من ولوج فرحات مهني، زعيم «الحركة من أجل استقلال منطقة القبائل» إلى استوديو قناة CNEWS الفرنسية، حيث كانت ستجري مقابلة تلفزيونية معه على الهواء مباشرة، جاء المنع في آخر لحظة، وظهر الإعلامي الشهير إيفان ريوفول وهو يعتذر للزعيم القبائلي فرحات عن عدم استعداد القناة لاستضافته، مثلما وثّق لذلك فيديو مصوّر خفية على الأرجح، انتشر كالنار في الهشيم عبر مختلف وسائط التواصل الاجتماعي. الناشط السياسي الممنوع اختار بدوره بث كلمة بالصوت والصورة يسلط فيها الضوء على الواقعة الغريبة، قائلا إن سبب المنع ما زال مجهولا، وإن من أخبروه بالقرار هم أنفسهم لا يعرفون السبب. وبعدما أزجى الثناء على الإعلامي إيفان ريفول واصفا إياه بكونه ذا صرامة فكرية ونزاهة أخلاقية، أرجع المنع (وفق مصادره كما قال) إلى تدخل من لدن السلطات الجزائرية التي هددت بإلغاء زيارة رئيسة الوزراء الفرنسية، إليزابيث بورن، إلى الجزائر العاصمة، في حال بث المقابلة التلفزيونية؛ والعهدة بالطبع على فرحات مهني! وبسبب الحرج الذي شعرت به «ماما فرنسا» أمام الرأي العام المغاربي عموما، سارعت سفارتها في الرباط إلى نشر «تكذيب» عبر «تويتر»، قالت فيه إنها أحيطت علما بتصريحات وتعليقات صحافية تشير إلى تدخل سلطات باريس مع قناة تلفزيونية فرنسية من أجل منع ضيف برنامج إخباري من الحديث؛ لكنها نفت رسميا هذه «الادعاءات»، بحسب وصفها. ومن غير تقديم أي تفسير لما حدث للناشط القبائلي فرحات مهني في قناة CNEWS، اكتفت السفارة الفرنسية في المغرب بترديد الشعارات المستهلكة على المستوى الرسمي بالقول إن «فرنسا تظل ملتزمة بحرية الصحافة وحرية التعبير في جميع أنحاء العالم». وأعادت التذكير بأن «تعددية وسائل الإعلام والحق في الإعلام أو الحصول على المعلومات والقدرة على التعبير عن وجهات النظر النقدية، تعدّ ضرورية للنقاش الديمقراطي».وفرنسا، وفق البيان نفسه، «تحرص على الدفاع عن هذه المبادئ وتطبقها بنفسها، كما تجعلها من أولويات سياستها الخارجية.» «كلام جميل… كلام معقول… مقدرش أقول… حاجة عنو» مثلما تردد الأغنية القديمة! لكننا لم نلمس له أثرا في ردهات القناة الفرنسية المذكورة، حيث مُنع الناشط السياسي المعارض للسلطة الجزائرية من ولوج الاستوديو، والتعبير عن آرائه بكل حرية، حتى وإن كان كثيرون يختلفون معه فيها. إذا كانت سفارة باريس تعتبر أن حديث الناس عمّا وقع لفرحات مهني مجرد «ادعاءات»، ففي أي خانة يمكن إدراج قرار المنع المشار إليه؟ وما مسوّغاته وما حساباته الظاهرة والخفية؟ ولماذا لم تعتذر القناة المذكورة للمعني بالأمر من جهة ولمشاهديها من جهة ثانية؟! تساؤلات معلّقة يمكن أن تجيب عنها قصة العشق الطويلة بين قصري «الإليزيه» و«المرادية»، فهي إن كانت تشهد أحيانا صدا وهجرانا ونفورا، إلا أنها تبقى شبيهة بـ»زواج كاثوليكي» محكم الأواصر!
التعليقات مغلقة.