رحلة التلاحم من الدار البيضاء إلى الداخلة الخالدة
حدث المسيرة
انطلقنا من مدينة الحمامة البيضاء التي كان لها الشرف العظيم بمشاركتها بـــــ 10 في المائة من نسائها المناضلات في أعظم مسيرة سلمية في تاريخ العالم المعاصر أبدعها ملك عبقري …انطلقنا ونحن حاملين تحيات ومتمنيات وقبلات سكان هذه المدينة إلى إخوانهم في الجنوب وكانت أول خطوة لنا هي زيارة مطار المسيرة مدينة أكادير…هذه المدينة بمطارها ومينائها ورجالاتها كانت نقطة انطلاق الحرب السلمية التي استرجع بها المغرب كل أراضيه المغتصبة من طرف المستعمر وذلك بفضل التحام الشعب المغربي من الشمال إلى الجنوب حول ملكه .
عندما يحترق الشوق
لقد كانت المسافة التي تفصل بين مدينة اكادير وطانطان كافية بان تجعلنا نستشعر تعب السفر ومشقة الطريق لكن الشوق لمعانقة الأهل والأحباب فوق رمال صحرائنا الغالية جعلنا لا نعير أي اهتمام لطول المسافة على درجة خيل لنا اننا قطعناها في لمح البصر .
وأول ما لفت انتباهي هو ذلك القطيع من الإبل الذي يفوق عددها المائة رأس والذي كان يعبر في مشيته عن شجاعة العرب ويقدم لنا الكثير من كبرياء عرب الصحراء …ومع أننا فضلنا ان ندخل أقاليمنا الجنوبية برا فقد كانت السيارة أحسن وسيلة ..لكننا ونحن نرى الآن الجمال وهي تجوب ضواحي مدينة طانطان تمنيت من أعماق قلبي لو تمكننا من امتطاء الجمال وعبرنا الطريق ، فقد قيل الكثير عن سفينة الصحراء هذه النعمة التي يعود الفضل لها في حفظ مكونات ثقافة الصحراء .
كرم اهل البلد
عندما سألت عن هذه الإبل من باب الفضول الصحفي قيل لي إن اقتناء جمل ممكن وأن كرم السكان يتجاوز حدود إهداء جمل وأكثر إلى نحوه وتقديم للضيف كعربون محبة لاتنتهي ……خاصة إذا كان لضيف من أهل البلد .
وعلى كل حال فقد استبدل بعض الناس الجمل بالسيارة لوندروفر استطاعت بالفعل ان تقدم لرجل الصحراء بعض الخدمات الجليلة التي كان العبور يقوم بها بدون ان يطل المقابل .
طانطان ….بيت الشعر الحساني
في مدينة طانطان اخضر الشعر الحساني وفي بيت الشاعرة عزيزة اينعت ازهاره وكان لنا فيه نصيب حيث قدمت لنا هذه الشاعرة باقة منه ندما فتحت لا بيتها وقلبها وطلبت منا ان نتبناها أخت شرعية ….ففعلنا……حقا لا يمكن أن أنسى أبدا أني كنت فعلا في رحاب الشعر وان الأخت عزيزة كانت تنطق ذهبا وتلفظ كلمات لها معنى …..كلمات جعلتنا نبحر في أعماق الشعر المغربي الذي تشكل الحسانية احد ينابيعه الصافية ….صحيح أن الشاعرة لم تبخل علينا بشيء منه ولم تحتفظ لنفسها بشيء للأسف وجدت نفسي انتظر المزيد واسأل شاعرتي عن كل قصائدها في حب الوطن . أجمل عبارة قلتها حتى اليوم – تقول لنا عزيزة – كانت بمناسبة زيارة العاهل الكريم لبلدتي سنة 1985″ مولاي لو لم اكن مغربية لسعيت لها .”
العيون تتحدث لغة الكبار
وفي العيون استقبلنا السكان والمسؤولين على حد سواء بوجه بشوش وصدر رحب فكان اللقاء بساحة المشور واستحضرنا إحدى ابرز الذكريات الغالية حيث كانت الآلاف الجماهير في أول زيارة ملكية للحسن الثاني لمدينة العيون تجتمع في هذه الساحة وهي تهتف بحياة صانع المسيرة الخضراء وأمجاد المغرب ، وبعد تحية العلم الوطني دخلنا قاعة المؤتمرات ، وكذلك هنا استحضرنا جلالة الملك قدس الله روحه وهو يخاطب أبناءه البررة وكنا نستمع إلى خطاب العرش … وتبادلنا تحية العيد …لقد كان الناس في فرح وسرور وكصحفي يرغب في تدوين اللحظة وحفظ الذكرى فإني لم أجد أدنى صعوبة في الحصول على تهاني من كل من حضيت بشرف اللقاء بهم فالكل هنا معتز بمغربيته ووطنيته ..
عندما ودعنا مدينة العيون كنت أعرف جيدا أن أجمل ما في العيون ليس كحلها ولكن بريق عينيها وعمقها والمدينة والحق يقال أعمق تراث في جهة الجنوب …فلا يمكن كتابة تاريخ المنطقة بدون استحضار معلمة المدينة العريقة والحديثة ، فالعيون الآن تتحدث لغة الكبار في منتهى الحضارة .
برج بوجدور يحكي تاريخ مغربية الصحراء
ببرجه الأثري الشامخ الذي يروي للأجيال مغربية الصحراء عبر التاريخ لكن ميناؤه الأزرق بسمكه الأبيض جعلنا نستطيب المقام ببوجدور ونعمل أكثر من خمسة أيام لا يمكن أن يمحيها النسيان من ذاكرة العمر ….طبعا لم أقوى على تدوين كل شيء فانا قد بدأت اعتاد على رؤية اللباس الصحراوي غير آبه بتقلبات الجو ، ولا بعبث الرياح أو كثل الرمال التي لا تستقر لها حال فهي ذات اليمين وأخرى ذات الشمال …..وابن الصحراء وحده الرجل الذي يهتدي للطريق الصحيح .
في بوجدور كنت اختار العواطف التي تجتاحني وأنا أتلقى المزيد من دعوات شرب الشاي وكنت لا أسمع إلا رنة كلمة واحدة الكل يرددها في تلقائية صادقة ” مرحبا…مرحبا “..
فألف تحية وسلام بوجدور المدينة التي تعشق ولا تمل …المدينة المضيافة الدافئة بصدق وحرارة مشاعر سكانها الكرام أهل البحر والجمل والشجاعة .
الشاي رمز الأصالة العربية ..
في الداخلة كنا نستظل داخل بيت احد الأعيان الأوفياء للعرش والوطن الذي ألح علينا أن نشرب عنده الشاي وعلى الطريقة الصحراوية… في بيت هذا الرجل استشعرت قدسية عرض الأشياء ومنها الشاي في الصحراء عند العرب حيث يحتل مكانة مهمة ….فهو رمز السلم والنخوة العربية ، فالشاي في الصحراء لا يطلب لذاته ولكنه وسيلة في مجالسهم يخضع لشروط معينة تميلها الثقافة الصحراوية العائمة على الحب والولاء للعرش .
مطار العيون …التحدي الأكبر
في الطريق إلى مطار العيون أثناء رجوعنا إلى الانطلاقة كنهاية الرحلة ….رحلة العمر وانا أتصفح ديوان عزيزة يحضيه عمر الشاعرة والصحفية كانت بعض كلمات كتابها تخرج من الورق تتشكل قصائد من عصافير وحمام تطير وتسبق سيارتنا ونحن نسير في اتجاه احد اهم مطارات المغرب الحديث حيث يتوفر على أرقى وسائل المراقبة والاتصال عبر تقنيات جد متطورة في عالم الملاحة الجوية ، كما انه مؤهل لاستقبال ألاف المسافرين ويؤمن لهم كل الخدمات المطلوبة …….إنه مطار العيون الذي خضع الى عمليتي التوسيع والصيانة فتم تجهيزه باليات هائلة مكنته من احتلال موقع مشرف فوق خريطة الملاحة العالمية ، هذا المجهود الذي توج بتدشين المطار من قبل صاحب الجلالة في يوم 19 مارس 1988 ولعل من حسن الصدف أن تواجدنا بمكتب مدير مطار العيون يقع في نفس اليوم والتوقيت والشهر الذي حصلت فيه الزيارة الملكية المباركة الميمونة .
السمارة المدينة …الروحية ..
قبل أن أصل إلى مدينة السمارة كنت اسمع أنها تساهم بمجهود كبير في إغناء الساحة الثقافية عبر مساهمة شعرائها وأدبائها بمنتجاتهم الفكرية …..كل هذا كان بالنسبة لي شيئا عاديا فالمدينة تعد من اعرق المراكز الثقافية بالمنطقة لكن الذي أدهشني هو التقدم الحضاري الذي حققته هذه المدينة منذ أن خلعت ثياب الذل والعار ، حيث أصبحت بحق أقوى مدن التواصل بالجهة نظرا لتوفرها على مراكز ومنشات هامة جعلتها تحتل الصدارة في عالم التواصل الثقافي الصحراوي .
ونحن نودع هذه المدينة الثقافية كنت اتذكر كل ما قيل عنها ولعل أبرزه ذلك أنها ستشهد قريبا ميلاد جامعة علمية كبيرة ، مما سيعطي ولاشك نفسا جديدا ويضخ الدماء في شرايين الثقافة هناك .
كنوز المنطقة ..
اعترف أن الوقت لم يكن كافيا لاستجلاء كل كنوز المنطقة واستشراف أفاقها الواعدة ……..فالأيام الجميلة التي قضيناها بين أحضان رمالنا الذهبية لم تقوى على رصد مدى التطور الحضاري الذي شمل كل مدن أقاليم الجنوب والذي بدا واضحا على حياة المواطن هناك .
بل عن عمال صاحب الجلالة هناك أكثر انشغالا مستقبل المواطن المغربي فكل المنجزات بما فيها تلك التي تزامن حضورنا مع وقت تدشينها في غمرة الاحتفالات بالزيارة الميمونة لجلالة الملك …كل هذه المنشات تعمل على الرفع من المستوى الحضاري.. وهكذا عرفت نقلة نوعية لا يمكن تجاهلها فهي أمر واقع شهود بصحته ، وقد كتبت الصحافة الدولية والجهوية عنه الكثير وبان الصحراء مغربية هكذا كانت وستظل.
عندما كنت اشعر بالزهو بالفخر والاعتزاز بمغربيتي وما تم إنجازه في الجهة الجنوبية على المستوى الفلاحي والصناعي والاجتماعي اتذكر من حرم على نفسه نعمة التمتع بهذه النعم كلها وخاصة أولئك المغرر بهم والذين لا يشكون ابدا في مغربية الصحراء أولئك الذين يمكن ان يستدركوا الوقت ويعلنوا الصلح مع الله ويعودون عن غيهم ” إن الوطن غفور رحيم ” فلا يمكن الاستمرار في التظليل أو المغالطة فالكل يعترف بمغربية الصحراء هكذا كانت وستظل فالناس هنا يتوفرون على ظهائر بيعة إلى ما قبل عهد المولى الحسن الأول .
كل شيء بخير …
ومن اجل ماعلق بالذاكرة تلك الكلمة الحلوة التي فاه بها فم بنموسى الحسين وهو نائب برلماني ونحن نشاركه في بيته الصحراوي ” كل شيء بخير “ فلهذه الكلمة سحر جعلني أنسى من أنا لأصبح حبة رمل في صحراء المغرب القوي .
فهنيئا للمغاربة قاطبة وللمواطن الصحراوي بصفة خاصة على ما تشهده المنطقة من مجهودات جبارة في درب التطور الحضاري والتقدم في شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .
والله صدقت يا بنموسى فكل شيء بخير ولا أضيف إلا ان الخير كله في أن يتحقق الوئام والتلاحم بيننا وبين إخواننا المغرر بهم .
فما صادفنا احدا إلا وتمنى صادقا لو تتم هذه الفرحة ليتحقق الوصال بتجديد فروض الطاعة والولاء إلى العرش العلوي المجيد ….ومن جهتنا لا نقوى إلا على ترديد نفس التمني املا في أن نحظى بشرف حضور حفلات اللقاء واستقبال إخواننا في العروبة والإسلام والتربة والدم ، وما إلى ذلك بعزيز على الله .
مقتطف من كتاب ” المسيرة الذهبية للملوك الثلاثة ” لصاحبه المصطفى بلقطيبية


التعليقات مغلقة.