جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

صاحبات السمو الملكي الأميرات للا خديجة وللا مريم وللا حسناء يترأسن افتتاح المسرح الملكي بالرباط رفقة السيدة بريجيت ماكرون..

0 15

ميلاد أيقونة معمارية وسيمفونية حضارية تربط عراقة المملكة بطموحها الكوني

في ليلةٍ تاريخيةٍ أرخت سدائلها على ضفاف نهر أبي رقراق الأسطوري، وتحت سماء العاصمة التي تزهو بأبهى حُللها كمدينة للأنوار وعاصمة للثقافة العالمية، شهدت المملكة المغربية مساء الأربعاء لحظةً فارقةً في مسار نهضتها الكبرى، تمثلت في الافتتاح الرسمي للمسرح الملكي بالرباط. هذا الصرح المعماري الفريد، الذي يتربع بوقار وشموخ في قلب “الرباط مدينة الأنوار”، جاء ليتوج الرؤية الملكية السامية والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من الثقافة والممارسة الفنية الرصينة ركيزة أساسية لتقدم المملكة واستكمال صروحها الحضارية. وقد تعززت رمزية هذه اللحظة، التي ستبقى محفورة في ذاكرة الفن والإبداع، بتشريف صاحبات السمو الملكي الأميرات الجليلات؛ الأميرة للا خديجة، والأميرة للا مريم، والأميرة للا حسناء، اللواتي ترأسن هذا الحفل البهيج رفقة السيدة بريجيت ماكرون، في مشهد يجسد أرقى صور الدبلوماسية الثقافية ويؤكد مكانة المغرب كأرض للحوار، والتفاعل الحضاري، وترسيخ القيم الإنسانية والمثل الكونية الكبرى.
لم يكن الحفل مجرد تدشين تقني لمعلمة هندسية، بل كان احتفالية وطنية كبرى باذخة الأناقة، عكست الدينامية الفنية التي يعيشها المغرب الحديث تحت القيادة المستنيرة لجلالة الملك. فبمجرد التحاق صاحبات السمو الملكي بالمنصة الملكية، انطلقت سيمفونية إبداعية متكاملة الأركان، حيث تلاحمت ولأول مرة في تاريخ المشهد الموسيقي الوطني، مواهب الأوركسترا الفيلهارمونية للمغرب، التي تستعد للاحتفال بذكراها الثلاثين، والأوركسترا السيمفونية الملكية، التي تخلد عقدين من العطاء الفني. هذا الانسجام الاستثنائي على منصة واحدة، جمع 76 عازفاً و40 مغني كورال بقيادة المايسترو دينا بن سعيد، في عمل فني مشترك جسد وحدة الإبداع المغربي وقدرته على الانصهار في قوالب عالمية دون فقدان هويته الأصيلة.
وقد استمتع الحضور، الذي تقدمته صاحبات السمو الملكي والسيدة بريجيت ماكرون، ببرمجة فنية أحياها فنانون مغاربة حصراً، في رسالة قوية على ثراء المورد البشري الإبداعي للمملكة. حيث انطلق الحوار الموسيقي برهافة البيانو مع العازف العالمي مروان بن عبد الله، وتواصل مع الشدو الأوبرالي الساحر لمغنية الميزو-سوبرانو حليمة محمدي، وصولاً إلى المختبر التراثي الذي قدمته الفنانة سميرة القادري من خلال مختارات التراث العربي الأندلسي، والأنغام المعاصرة المستوحاة من الجذور المغربية التي برع في تأليفها وعزفها على العود الفنان إدريس الملومي. إن هذا المزج بين “كونشيرتو تشايكوفسكي” وروائع “بيزيه” و”فيردي” وبين المقامات الأندلسية، لم يكن مجرد عرض موسيقي، بل كان تجسيداً حياً للمغرب كملتقى للطرق الثقافية، ومنارة تنفتح بذكاء على مختلف التعبيرات العالمية.
إن المسرح الملكي الرباط، الذي يتربع بجوار صومعة حسان وضريح محمد الخامس، ليشكل مع برج محمد السادس ثالوثاً يجمع بين عراقة التاريخ، وقدسية الذاكرة، وطموح المستقبل، هو رمز حقيقي للتجديد الفني الذي جعل من الثقافة ركيزة للتنمية. هذا الصرح المعماري، بلمساته الهندسية المتفردة، سيرتقي بالرباط لتصبح وجهة ثقافية عالمية تنافس كبريات العواصم، موفراً فضاءً يثمن القدرات الإبداعية الوطنية ويمنح الفن المغربي المعاصر موطناً يليق بمقاربته الحداثية. وفي ختام هذه الأمسية المبهرة، التي حضرها مئات المثقفين والفنانين والسفراء، يبرز المسرح الملكي كعهدٍ جديد، يؤكد فيه المغرب، تحت القيادة المظفرة لجلالة الملك، أن النهضة الحقيقية هي تلك التي تبدأ من الإنسان، وتمر عبر الفن، لتصل إلى الخلود الحضاري الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة في تناغم تام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!