جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

للذكرى وللتاريخ : رحيل صديق المغرب محمد بوضياف وأسرار المشهد المغلق

0 6

تطل علينا ذكرى اغتيال الرئيس الجزائري الأسبق محمد بوضياف (الملقب بـ “السي الطيب الوطني”) لتعيد إلى الأذهان واحداً من أصعب الفصول وأكثرها حزناً في تاريخ الجزائر المعاصر. إنها ليست مجرد مناسبة عابرة لاستذكار رحيل قائد فجر ثورة التحرير عام 1954، بل هي وقفة تأمل في مسار رجل اختصر في شخصيته حلم بناء دولة الحق والقانون والعلم والعدالة، ودفع حياته ثمناً لجرأته في مواجهة الفساد ومحاولة إنقاذ البلاد في لحظة تاريخية حرجة مهدت لبداية “العشرية السوداء”. يظل غيابه غصة في الوجدان، وشاهداً على مرحلة استثنائية امتزجت فيها طموحات التغيير بمرارة الفقدان والغموض.

وقعت حادثة الاغتيال الدراماتيكية في 29 يونيو 1992 بمدينة عنابة، بعد مرور نحو 5 أشهر فقط من عودته من منفاه الاختياري. فبينما كان يلقي خطاباً توجيهياً في دار الثقافة مكرراً عبارته الشهيرة “البلدان التي سبقتنا باش سبقتنا؟ بالعلم…”، وقع انفجار خلف المنصة تلاه تقدم الملازم في القوات الخاصة ومكلف حمايتها “مبارك بومعرافي”، الذي أفرغ رصاصات رشاشه في جسد الرئيس ليفارق الحياة على الفور.

وقبل هذه العودة التاريخية، كان محمد بوضياف يعيش في المملكة المغربية، وتحديداً في مدينة القنيطرة، حيث قضى هناك ما يقارب 28 عاماً. لقد كان الراحل صديقاً مخلصاً للمغرب، ووجد في كنف الملك الراحل الحسن الثاني وطناً ثانياً احتضنه بكامل الرعاية والتقدير؛ حيث حرص العاهل المغربي شخصياً على توفير كافة ضمانات الحياة الآمنة والمستقرة له ولأسرته، وتجسد هذا الدعم الملكي في تمكينه من إقامة مشروعه الصناعي (مصنع الآجور) ليعيش في هدوء وسكينة كالمواطنين العاديين، بعيداً عن الأضواء والضغوط السياسية. وخلال تلك العقود، حظي بوضياف باحترام استثنائي من السلطات المغربية، وبادل المغرب هذا الوفاء بتقدير كبير، ممتناً للأمان الذي وفره له الملك الحسن الثاني.

أما على صعيد ملف الجريمة ومن هم القتلة، فقد أوقفت السلطات المنفذ المباشر “مبارك بومعرافي” فوراً وحُكم عليه لاحقاً بالإعدام دون تنفيذ، وخلصت لجنة التحقيق الرسمية إلى أن العملية كانت “فعلاً فردياً معزولاً”. ومع ذلك، فإن هذه الرواية الرسمية لم تقنع عائلة الرئيس (وعلى رأسهم أرملته فتيحة بوضياف) ولا جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية والمؤرخين. وتذهب القناعات والاتهامات السائدة إلى أن بومعرافي لم يكن سوى أداة تنفيذية، وأن القتلة الحقيقيين هم “مافيا السياسة والمال” وأجنحة من النظام رأت في مشروع بوضياف ومحاربته للفساد تهديداً لمصالحها.

عندما طالته يد الاغتيال الغادرة، كان الوجع في الجزائر والمغرب كبيراً؛ فقد خسرت المنطقة رجلاً كان يملك رؤية صادقة لبناء مغرب عربي قوي ومتكامل قائم على الأخوة وحسن الجوار، ليظل غيابه المفاجئ مدخلاً لنفق أمني مظلم، وتظل قضية اغتياله واحدة من أكبر الألغاز السياسية المغلقة التي لم تُكشف كامل أسرارها حتى اليوم.

المصطفى بلقطيبية

 

محمد بوضياف في بيته في المغرب
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!