في غمرة الحديث المتواصل عن الزخم الإعلامي العالمي المحيط بالمنتخب الوطني المغربي، وعن الآفاق التكتيكية والتنظيمية الجديدة التي تسبق المونديال القادم، يفرض الواجب المهني والمنصف العودة إلى نقطة الارتكاز الإستراتيجية التي غيرت مجرى تاريخ الكرة الإفريقية والعربية. إن قراءة أي نجاح أو توهج لـ”أسود الأطلس” اليوم تظل ناقصة ما لم تقترن برد الاعتبار الصريح والكامل للمهندس الأول لملحمة مونديال قطر 2022، الناخب الوطني وليد الركراكي. فهذا الإطار الوطني الشاب لم يكن مجرد مدرب قاد مباريات في تظاهرة عالمية، بل كان ثورة فكرية وثقافية ونفسية داخل منظومة كرة القدم المغربية، حيث نجح في فترة زمنية قياسية لم تتعد الأسابيع المعدودة في تحويل الشك والشتات الذي كان يعيشه المنتخب إلى كتلة صلبة من اليقين والطموح العالمي الذي أبهر ملايين المتابعين عبر العالم.
إن رد الاعتبار للركراكي ينطلق من تفكيك العبقرية التكتيكية والنفسية التي أدار بها تلك المرحلة المفصلية من تاريخ الأسود؛ فقد دخل غمار المونديال بفلسفة تقوم على الواقعية الصارمة والذكاء الحذر، مستوعباً بدقة إمكانيات خصومه ونقاط قوة تركيبته البشرية. الركراكي أعاد بناء الروح الجماعية للمنتخب من خلال المفهوم الشهير الذي رسخه في الأذهان “ديروا النية” و”العائلة”، محولاً المستودع الخاص بالملابس من فضاء للمنافسات الفردية إلى جبهة موحدة يذود فيها النجوم عن القميص الوطني باستماتة منقطعة النظير. بفضل هذه الهوية الدفاعية المنضبطة والمرتدات الهجومية الخاطفة، أسقط الركراكي عمالقة اللعبة من بلجيكا وإسبانيا والبرتغال، معلناً للعالم أن المدرب الإفريقي والمحلي قادر على مقارعة وإحباط أعتى المدارس التكتيكية الأوروبية، ومقوضاً العقدة التاريخية التي طالما كبلت طموح المنتخبات العربية والإفريقية في المحافل الدولية.
ومع تطور مسار المنتخب ودخول دماء جديدة وأفكار تكتيكية مستحدثة لمواكبة التحديات الراهنة والمستقبلية لعام 2026، يصبح من الضروري التذكير بأن السقف العالي للتوقعات الذي يعيشه الجمهور المغربي اليوم هو سقف من صُنع يديه. إن الحصانة التكتيكية والهيبة الدولية التي يتمتع بها المغرب في الساحة الكروية الحالية هي امتداد وإرث مباشر لـ”الإرث الركراكي” الذي جعل المركز الرابع عالمياً معياراً للمقارنة وبداية لزمن كروي مغربي جديد لا يرضى بالقليل. هذا المدرب لم يمنح المغرب نتائج تاريخية فحسب، بل منح الكرة الوطنية شخصية دولية مهابة الجانب وثقة جماعية جعلت من المستحيل ممكناً، ليبقى اسمه محفوراً كحجر زاوية وصاحب الفضل الأول في إطلاق قطار المجد الكروي الذي لا زال يواصل مسيره بثبات نحو قمم جديدة.