تعتبر ظاهرة استقطاب الوجوه الفنية وتزكيتها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي الراهن، إذ تعكس تحولاً عميقاً في استراتيجيات الهيئات السياسية التي باتت تلهث وراء “الرأسمال الرمزي” والشعبية الجاهزة. ففي ظل اتساع الهوة بين الخطاب الحزبي التقليدي وتطلعات الشارع، وجدت الأحزاب في بريق النجومية الفنية وسيلة لكسر الجمود وتجاوز عقبة العزوف الانتخابي، مراهنةً بذلك على “الناخب العاطفي” الذي يرتبط بالفنان وجدانياً أكثر من ارتباطه بالبرامج السياسية الجافة. هذا التوجه، وإن كان يبدو في ظاهره انفتاحاً على نخب من خارج الحقل السياسي الكلاسيكي، إلا أنه يطرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة التمثيل الديمقراطي؛ فالمؤسسة التشريعية تتطلب زاداً قانونياً وقدرة على الترافع وصياغة السياسات العمومية، وهي مهام قد لا تتقاطع بالضرورة مع أدوات العمل الإبداعي. إن لجوء الأحزاب لـ “نجوم الشاشة” قد يُفسر كاعتراف ضمني بفشل قنوات التنشئة الحزبية في إفراز أطر سياسية قادرة على الإقناع، مما دفعها لاستعارة بريق الفن لتأثيث القوائم الانتخابية وضمان مقاعد برلمانية بـ “أقل مجهود” تواصلي. وبينما يرى البعض في هذا الترشيح حقاً دستورياً يكفل لكل مواطن المساهمة في تدبير الشأن العام، يخشى آخرون من أن تتحول السياسة إلى مجرد “استعراض” يفرغ المؤسسات من محتواها الرقابي والتشريعي، ويجعل من الفنان مجرد “خزان للأصوات” تنتهي صلاحيته بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع. إن الرهان الحقيقي في الاستحقاقات القادمة لا ينبغي أن يقتصر على الوجوه، بل في مدى قدرة هذه الكفاءات، سواء كانت فنية أو مهنية، على تقديم إضافة نوعية تنعكس على حياة المواطن وتعيد للعمل السياسي هيبته وجدواه. غير أنّ هذا التوجه، وإن كان يعكس ذكاءً تواصلياً، يطرح أسئلة عميقة حول جوهر التمثيل السياسي: هل تكفي الشهرة الفنية لتجسيد هموم المواطن في قبة البرلمان؟ وهل يمكن أن تتحوّل الكاريزما إلى مشروع تشريعي يلامس قضايا الاقتصاد، التعليم، الصحة، والعدالة الاجتماعية؟
فحين نتأمل حصيلة الفنانين الذين عبروا أبواب البرلمان في التجارب السابقة، لا نجد سوى مقاعد مشغولة بأجساد بلا روح سياسية، وكأنهم خشب مسندة ينتظرون الشهرية آخر كل شهر. لقد تحوّل حضورهم إلى صورة شكلية أكثر منه فعل تشريعي، إذ غابت المبادرات، وندر التدخل في النقاشات، وظل المواطن يتساءل عن جدوى وجودهم في مؤسسة يفترض أن تكون صوت الشعب وحصن الرقابة. إنّ الأحزاب التي رشّحتهم كانت تراهن على شهرتهم لجذب الأصوات، لكنها لم تُعِدهم لممارسة مسؤولية تشريعية تتطلب تكويناً ومعرفة بالقوانين والملفات الكبرى. والنتيجة أن البرلمان لم يستفد من رصيدهم الثقافي والفني، بل اكتفى بتزيين واجهته بأسماء لامعة سرعان ما خبت أضواؤها تحت سقف المؤسسة. اليوم، ومع اقتراب انتخابات سبتمبر 2026، يظل السؤال قائماً: هل سيكرر الناخب المغربي نفس الاختيار، أم سيطالب بوجوه تحمل برامج واضحة وكفاءة حقيقية؟ إنّ الديمقراطية لا تُبنى بالصور ولا بالشعبية العابرة، بل بالعمل الجاد والقدرة على تحويل صوت المواطن إلى فعل سياسي ملموس.