جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

كتاب جديد في طريق الإصدار ” أنا والمسيرة الخضراء شهادات من قلب الرمال “

0 111

بين يدي القارئ اليوم، ليس مجرد كتاب يُسرد فيه التاريخ،  لرحلة بدأت منذ ريعان الشباب في السبعينيات، حين كنت مصححا شاباً يخط أولى كلماته في مؤسسة “ماروك سوار”، لتتوج اليوم بمسيرة مهنية ووطنية امتدت لنصف قرن من العطاء.
يأتي كتاب “أنا والمسيرة الخضراء: شهادات من قلب الرمال” تزامناً مع الذكرى الخمسين لهذه الملحمة الوطنية الخالدة، ليقدم رؤية “من الداخل”. هو حصيلة جولاتي الميدانية في أقاليمنا الجنوبية، واستطلاعاتي التي لم تكتفِ بنقل الخبر، بل غاصت في عمق التحولات الكبرى التي شهدتها الصحراء المغربية تحت قيادة الملوك الثلاثة: جلالة الملك محمد الخامس، وجلالة الملك الحسن الثاني، وجلالة الملك محمد السادس.
في هذا الكتاب، أكشف الستار عن كواليس لم تُنشر من قبل؛ عن حوارات مع وزراء ومسؤولين، وعن لقاءات ميدانية مع ساكنة الصحراء الأوفياء. كما أوثق فيه بالكلمة والصورة تلك اللحظات التاريخية التي عشتها وأنا أوزع كتابي “المسيرة الذهبية” في أوج الزيارات الملكية الميمونة للعيون وبوجدور.
إن الهدف من هذا العمل هو الحفاظ على الذاكرة الوطنية، وتقديم شهادة حية للأجيال القادمة حول دور “الإعلام الميداني” في معركة الدفاع عن حوزة الوطن من خلال ما نسميه اليوم “الدبلوماسية الموازية”. هو كتاب لكل مغربي يريد أن يفهم كيف تحولت “الرمال” إلى “أوراش تنموية”، وكيف ظل “القلم” وفياً للوطن والعرش.
أضع بين أيديكم “عصير” سنوات من التعب والابتسامة، والصمت والحكمة، آملاً أن تكون هذه الشهادة من قلب الرمال منارةً تضيء درب الوفاء والمواطنة الحقة.

 

 

 الإهداء

إلى رفيقة دربي، وزوجتي العزيزة التي كانت نبراساً لي في الظلمات، وسنداً لا يميل في كل مراحل حياتي؛ لقد كانت تتحلى بصبر أيوبي معي، وتتحمل عناء غيابي في رحلاتي الميدانية بين رمال الصحراء ودهاليز المطابع، فكانت هي البيت والوطن
إلى أبنائي الأعزاء: عبد الجليل، ويوسف، وكريم؛ الذين كبروا وأنا غارق بين الحروف والأوراق، وصبروا معي في هذه الرحلة الطويلة والمليئة بالتحديات. أطلب منكم السماح عن كل لحظة غياب فرضتها عليَّ واجبات المهنة المقدسة وحب هذا الوطن العظيم.
إلى أسرتي الكبيرة، وإلى أفراد أسرة زوجتي الكرام الذين ساندوني وآمنوا بمساري، وكانوا لي عوناً في الشدائد والمحطات الكبرى.
هذا العمل ليس مجرد كتاب، بل هو ثمرة حياتي التي ذابت بين حبات الرمال ومداد الأقلام؛ أهديه لكم جميعاً، اعترافاً بفضلكم وصبركم الذي لولاه ما اكتملت هذه الملحمة.
وفي غمرة هذا البوح، لا يسعني إلا أن أقف وقفة إجلال وامتنان لأسماء بصمت مساري المهني والجمعوي بمداد من الذهب؛ رفاق درب آمنوا بالرسالة وتقاسموا معي عناء الطريق. أترحم بخشوع على أرواح من غادرونا إلى دار البقاء، المرحوم عبد الحميد حيمر، والمرحوم عبد العزيز الذي وافته المنية في الديار الأمريكية، فذكراهم تظل حية في كل حرف أكتبه
كما أحيي بتقدير كبير زملائي الذين كانوا نعم السند: عبد الرحيم الفقير الإدريسي، ونجيم عبد الإله، وعبد الحق الفكاك، وعبد المجيد بونعيم فلهم مني كل العرفان على ما قدموه بجانبي.
أما أخي الذي لم تلده أمي، السند القوي والرفيق الوفي الذي لم يخذلني يوماً، إدريس العاشري؛ فله مكانة خاصة في قلبي وفي هذا الكتاب؛ هو الذي يقف بجانبي صامداً كلما ناديته، والذي عاشرني في السراء والضراء، وكان ولا يزال الركن المتين في استمرار مساري الإعلامي وفي إشعاع المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح . إليك يا أخي إدريس، وإلى كل هؤلاء الشرفاء، أهدي هذا العمل المتواضع بعد اكثر من سنة على استعادة كل المحطات التي مررت بها..

الفصل الأول: الحبر والوطن.. 

مراكش.. البدايات المضمخة بعبق التاريخ
في زقاق من تلك الأزقة المراكشية العتيقة، حيث تتعانق الجدران الطينية الحمراء لترسم ممرات ضيقة تفوح منها رائحة التوابل والجلد المصبوغ وذكريات قرون من المجد المرابطي والموحدي، ولدتُ في اليوم الأول من سنة 1951. لم يكن تاريخ ميلادي مجرد رقم يُسجل في دفاتر الحالة المدنية بمدينة سبعة رجال، بل كان إيذاناً بميلاد جيل قُدّر له أن يفتح عينيه على مخاض مغرب جديد يلملم جراحه تحت وطأة الحماية، ويحلم بفجر الاستقلال الذي كان يلوح في الأفق.
نشأتُ في بيئة مراكشية أصيلة، حيث كانت “الحلقة” في ساحة جامع الفنا هي مدرستي الأولى في فن الحكي والإقناع، وكان صوت المؤذنين في صومعة الكتبية هو الإيقاع الذي ينظم نبض حياتنا اليومية. في تلك الطفولة، تشربتُ معنى “تمغربيت” الحقة؛ تلك التي تجمع بين صرامة الأخلاق ورحابة الروح وانفتاح العقل. كنت أراقب الرجال في مجالسهم، ينصتون بتركيز شديد لأجهزة الراديو الخشبية الضخمة، يترقبون أخبار الوطن وخطابات الحسن الثاني التوجيهية، ومن هنا، وسط تلك الأجواء المشحونة بالوطنية، بدأ يسكنني ذلك الشغف الغريب بالمعلومة، وبالكلمة التي تستطيع أن تصنع فارقاً في حياة الناس.
أتذكر جيداً اللحظة التي قررتُ فيها الرحيل أنا ووالدتي نحو الدار البيضاء، مدينة الأحلام والفرص الكبرى. كانت حقيبتي مليئة بالكتب والأحلام، وقلبي ينبض بوجل شاب يقتحم عالماً مجهولاً. في الدار البيضاء، حيث الضجيج لا ينتهي وحيث المطابع لا تنام وانا انظر الحافلة الكهربائية لأول مرة، بدأت ملامحي تتشكل وسط صخب الشوارع الكبرىى ومحطة كراج علال التي كانت تعج بالمسافرين لجميع الإتجاهات
البكالوريا وفلسفة الاختيار الصعب
حين حصلتُ على شهادة البكالوريا في موسم 1967/1968، بثانوية مولاي عبد الله بالدارالبيضاء التي  كانت واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية التي أنجبت جيلاً من الأطر الوطنية، حيث تخرج منها عدد من الشخصيات الوازنة التي تركت بصماتها في الإعلام والاقتصاد والرياضة. أتذكر من بين هؤلاء يبرز اسم الإعلامي محمد برباش الذي ساهم في إثراء الصحافة الوطنية وأصبح من الأصوات البارزة في المشهد الإعلامي المغربي، كما كان في تلك الحقبة أستاذ التربية البدنية كمال لحلو بدراجته ” صوليكس” الذي سيصبح لاحقاً واحداً من كبار رجال الأعمال في مجال الإعلام والاتصال، مؤسساً لمجموعة إعلامية مؤثرة وفاعلاً في الاقتصاد الوطني. حينها كنت قليل الميسور، فبدأت أبحث عن عمل لأعيل نفسي واسرتي الصغيرة وأفتح أمامي أبواب الحياة. ومن تلك التجربة البسيطة وُلدت إرادة قوية، جعلتني أؤمن أن العمل المبكر ليس مجرد وسيلة للعيش، بل مدرسة لصناعة الذات، وصقل الشخصية، وبناء المستقبل.
 كان المغرب يعيش مرحلة بناء مؤسساته الوطنية. لم تكن الخيارات أمامي تقليدية؛ فبينما كان زملائي يبحثون عن وظائف إدارية مستقرة تضمن لهم عيشاً رغيداً، منهم من غادرالمغرب ومن منهم تابع دراسته  ومنهم من وجد عملا بصيغة “باك صاحبي” كانت عيناي ترنو نحو “صاحبة الجلالة”. كنت أرى في الصحافة نافذة سحرية نطل منها على العالم، ومختبراً للأفكار التي يمكن أن تغير الواقع لم يتجاوز عمري آنذاك التاسعة عشرة ، لكن طموحي كان يناطح عمارة حي بنجدية ذات السبعة عشر طابقاً،” 17 ايطاج ” أكبر ناطحات السحاب في المغرب  في تلك الحقبة. لم تكن مجرد بناية شاهقة، بل كانت رمزاً لعصر جديد، وكنت أرى فيها مرآة لأحلامي التي لا تعرف حدوداً، وأيقنت أن العمل والجد هما السلم الذي يقود إلى القمم
بداية دخولي الى عالم التصحيح
حين تواصلت مع إدارة صونير طلباً للعمل، حددوا لنا تاريخ “الكونكور”، وكنا سبعة طلبة يتنافسون على فرصة واحدة. وبفضل الله تعالى كنت الأول، فكانت تلك الخطوة الأولى التي ولجت منها عالم الصحافة. ومن بين آلات الطباعة وصفحات الورق ورائحة الرصاص، بدأت رحلتي مع الكلمة، رحلة ستتحول لاحقاً إلى مسار إعلامي ويجعل من الصحافة رسالة ومسؤولية
عند أبواب مطبعة صونير، التي كانت يومًا ما أكبر مطبعة في إفريقيا، يقف التاريخ شاهدًا على مرحلة ذهبية من مسار المغرب الثقافي والإعلامي. هنا، كانت تُطبع الكتب المدرسية التي علّمت أجيالًا، والجريدة الرسمية التي وثّقت قرارات الدولة، والمجلات التي حملت صوت المغرب إلى العالم
كانت البداية من بين رفوف المطبعة الكبرى صونير، حيث كانت تُطبع المجلات الطبية، الكتب المدرسية، والقصص، إضافة إلى الوثائق الرسمية. هناك، في عالم الحروف المصفوفة والصفحات المتراصة، تعلمت أن الكلمة قبل أن تُقرأ يجب أن تُصحح وتُصان، وأن الصحافة تبدأ من الدقة والانتباه. كان التصحيح بالنسبة لي مدرسة أولى، مدرسة تُعلّم الصبر والصرامة، وتُرسّخ أن الكلمة مسؤولية وليست مجرد حبر على ورق.
ومن تصحيح الوثائق الرسمية انتقلت إلى تصحيح الجرائد الرسمية، وأولها La Vigie Marocaine، حيث وجدت نفسي أقرب إلى قلب الصحافة اليومية، أتعامل مع الأخبار والمواد التحريرية، وأدرك أن الصحافة ليست فقط كتابة، بل هي أيضاً حراسة المعنى وصيانة الحقيقة. ثم جاءت محطة Le Petit Marocain، لتفتح أمامي أبواب التحرير والتصفيف، وأدخل إلى عالم المقالات والصفحات المصممة بعناية، حيث يصبح النص فناً والإخراج لغة موازية للكلمة.
اضافة لكن ما يميز هذا الصرح ليس فقط آلاته العملاقة ولا إنتاجه الغزير، بل هو النسيج الإنساني الذي جمع بين جدرانه: مسلمون ويهود ونصارى، مغاربة وأجانب من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والجزائر، جميعهم اجتمعوا حول آلة الطباعة، يعملون كتفًا إلى كتف، في انسجامٍ يترجم روح التعايش التي ميّزت المغرب عبر العصور.
هؤلاء العمال البسطاء كانوا الأيادي التي صنعت الكلمة المطبوعة، وأخرجت إلى النور صحفًا مثل لافيجي ماروكان ولوبتي ماروكان، قبل أن تتحول إلى ماروك سوار ولوماتان. بعضهم غادر إلى دار البقاء، تاركًا بصمته في ذاكرة الوطن، والبعض الآخر ما زال حيًّا بيننا، ينتظر اعترافًا بجميله وتقديرًا لعطائه..
في سنة 1972  تم تغيير اسم La Vigie Marocaine وLe Petit Marocain إلى Maroc Soir وLe Matin، تحت إشراف الراحل مولاي أحمد العلوي، لترث إرث تلك العناوين وتبدأ عهداً جديداً من الصحافة الوطنية، .حينها شعرت أنني أمام عهد جديد في الصحافة المغربية. لم يعد الأمر مجرد جرائد تحمل أسماء فرنسية، بل أصبحنا نكتب تحت عناوين مغربية الهوية، وهو ما منحني شعوراً بالانتماء، وأكد أن الصحافة جزء من مسيرة وطنية نحو التحرر والتجديد.
الإعلان الذي سيغير تاريخ المغرب
وفي يوم 16 أكتوبر 1975، أعلن المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، عن تنظيم أكبر مسيرة سلمية في التاريخ: المسيرة الخضراء. كانت لحظة تاريخية فارقة، إذ مكنت المغرب من تحرير أقاليمه الجنوبية، وأعادت إلى الأذهان قيم الوحدة والتضحية والإيمان بالوطن.
ما إن اصدرت محكمة العدل الدولية الدولية قرارها الإيجابي في قضية الصحراء المغربية حتى توجه صاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني في خطاب الأمة يوم 16 اكتوبر 1975 يعلن فيه للعالم حزم المغرب وعزمه على استرجاع أقاليمنا الصحراوية بتنظيم مسيرة تحريرية وموحدة تضم 350 ألف متطوع من جميع تراب المملكة.
من هنا بدأت مشاركتي في المسيرة الخضراء، بعد أن أبلغت الإدارة بتسجيلي ضمن لائحة المتطوعين، وتمت الموافقة على طلبي. كان ذلك شرفاً عظيماً، إذ وجدت نفسي بين صفوف مئات الآلاف من المغاربة، نسير بخطى ثابتة نحو الصحراء، حاملين القرآن والعلم الوطني، في ملحمة سلمية ستظل شاهداً على قوة الإيمان بالوطن ووحدة الشعب خلف قائده.
هكذا امتزج مساري المهني بمساري الوطني: من تصحيح الكلمات في المطبعة إلى كتابة التاريخ بأقدامنا في رمال الصحراء. كانت المسيرة الخضراء بالنسبة لي بداية وعي جديد بدور الصحافة، إذ أدركت أن الكلمة ليست فقط نصاً يُنشر، بل شهادة على التاريخ ورسالة في خدمة الوطن.
ومع انطلاق عملية التسجيل تسارع المتطوعون نحو مكاتب التسجيل وشاء القدر ان يتم اختياري للمشاركة في هذه المسيرة بينما لاحظت تدمرا يعلو وجوه أولئك الذين لم يحذوا بفرصة المشي فوق تراب صحرائنا المغتصبة .
قضينا 48 ساعة في مخيم تجمع بعين السبع ، – حاليا مقر عمالة عين السبع – كان فرصة للتعارف بين كل المتطوعين البالغ عددهم 35 ألفا من الدار البيضاء .
ومع حلول موعد انطلاقنا نحو مدينة أكادير تم تزويدنا بالمؤونة ، وطوال الرحلة توصلنا بحصص إضافية من الزاد والماء . انطلقنا من مراكش الى أكادير حيث وجدنا 500 رجل إعلام من الصحافة المكتوبة ، المرئية والمسموعة من العالم بأسره ، جاؤوا لتغطية حدث مسيرة الوحدة أو معجزة القرن العشرين .
الإنطلاقة نحو المال
5 نونبر 1975: في هذا اليوم، وجه الملك الحسن الثاني خطابه التاريخي الشهير من قصر البلدية بأكادير، حيث أعلن فيه رسمياً عن انطلاق الزحف السلمي في اليوم الموالي، قائلاً عبارته الخالدة: “غداً إن شاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، غداً إن شاء الله ستطؤون طرفاً من أراضيكم…”.
لقد كانت أكادير بمثابة “مركز قيادة” لهذه الملحمة، ولا يزال سكانها وجيرانهم في القرى المحيطة يفتخرون بأن شرارة الانطلاق نحو الصحراء المغربية دوت من مدينتهم، وهو ما يفسر رمزية إقامة الاحتفالات الكبرى وتدشين المشاريع الضخمة بالمدينة في ذكرى هذا الحدث من كل عام.
ومرة أخرى تزودنا بما نحتاجه بمحطة أيت ملول قرب اكادير لنبلغ بعد ثلاثة أيام طرفاية .
لقد كانت بحق عملية ضخمة ومنظمة حيث تم تجميع 350 ألف متطوع خلال 14 يوما شكلت النساء نسبة 10% منها ، كما جند 300 قائد وخليفة ، و900 من الشيوخ والمقدمين و 470 طبيبا و220سيارة إسعاف و1000 إطار ، 7813 شاحنة وحافلة ، 63 ألف طن من الماء ، 2590 طن من الوقود و 17 ألف طن في المؤونة .
وكانت أسرنا تتابع عملية وصولنا إلى طرفاية عبر وسائل الإعلام المختلفة – الإذاعة والتلفزة – أما نحن فكان المذياع هو الوسيلة الوحيدة التي نتابع عبرها مايجري.
وبتاريخ 31 اكتوبر أصبحت الصحراء مغربية بجلاء القوات الإسبانية من محطة الطاح ، وعلى بعد 32 كلم من الحدود كنا نتابع يومنا باعتماد برنامجنا كالتالي : أداء صلاة الفجر ، تناول وجبة الإفطار ثم نتجول من “مدينة ” إلى أخرى ، كان الأمر أشبه بممارسة رياضة المشي وأحيانا نصادف فردا من العائلة او صديقا تطوع هو الأخر من ” مدينة ” أخرى .
وخلال مقامنا هناك لمدة أسبوع تم تزويدنا بالسكر ، الماء ، الحليب ، الخبز ، الزيت ، الشمع ، علب الثقاب ، السجائر ، الصابون ، الثمر …إلخ وكانت العزيمة والصبر والوطنية
وهنا أتذكر المقولة الذهبية لجلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ” غدا إن شاء الله ستخترق الحدود، غدا إن شاء الله ستنطلق المسيرة، غدا إن شاء الله ستطالون أرضا من أراضيكم، وستلمسون رملا من رمالكم وستقبلون أرضا من وطنكم العزيز. ” ، تم زاد ” بمجرد ما تخترق الحدود عليك أن تتيمم من الصعيد الطاهر، تلك الرمال، ثم تستقبل القبلة وتصلى بأحذيتك لأنك مجاهد وتصلى بأحذيتك شكرا لله تعالى. ” وقبل ذلك زارنا عدة اطر حدثونا عن المسيرة ، والدور الذي ينبغي أن تلعبه لاسترجاع صحرائنا .
وذلك اليوم، يوم الإنطلاقة ، استيقظ الجميع باكرا وبعد صلاة الفجر تناولنا وجبة الفطور تم قطعنا المسافة التي تفصلنا عن الحدود الوهمية ، وما أن تراءى لنا أرضنا المغتصبة حتى تجاوزنا ” الكروشي ” على وقع هتافات ” الله اكبر الصحراء لنا ” ،  “الحسن الثاني محررنا ” وتم رفع العلم المغربي رسميا في هذه النقطة التي تسمى ” الطاح ” وتيمم المتطوعون برمال صحرائنا والكل كرجل واحد قبلوا أرض أجدادهم وتوجهوا في صلاتهم  صوب المسجد الحرام ودموع الفرحة تضيء عيونهم ليشكروا رب العباد على نعمة استرجاع أرضهم .
وفي حماسة الشباب توغل المتطوعون كيلومترات عديدة في صحرائهم مسلحون بكتاب الله ” القران الكريم ” وما أن حل الليل حتى اتخذ الجميع هذه الأرض الرحبة مخيما قضينا به 3 أيام كانت خلالها المفاوضات المغربية الإسبانية تجري على قدم وساق ونحن نتابع مستجدات الأحداث عبر الراديو لان الجرائد كانت تصلنا متأخرة أزيد من 3 أيام .
ثم أمرنا جلالة الملك بالعودة على طرفاية قائلا : شعبي العزيز لنعد إلى نقطة انطلاقنا ، المتطوعون نحو طرفاية و المؤطرون إلى مراكش..كان الأمر أشبه بوضع عصى في إطار عجلة ، لأن بعضنا كان يريد الاستمرار.. في حين فهم الأغلبية معنى الخطاب الملكي وبأن الصحراء ستعود إلى مغربها .
لقد أنجزنا مهمتنا كما قال جلالة الملك .. وعدنا إلى طرفاية حيث أعدت لنا بعض النساء المتطوعات أكلات من الخبز المطهو على الخشب .. وفي جو احتفالي ترفيهي شاهدنا أفلاما وثائقية عن الفولكلور المغربي ثم حصلنا على أغلى جائزة وهي بطاقة الشرف موقعة من المتطوع الأول جلالة الملك الحسن الثاني . غمرت فرحة عارمة لأنها كانت تعني لنا الكثير.. لم نشا مغادرة المكان فقد كان مغربا أخر مغرب الأخوة والتحدي .
وبعد خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى العشرين لاستقلال المملكة المغربية والذي جاء فيه : ” أخي المتطوع ما أن تعود إلى ديارك أن تبنى أواصر مطبوعة بالصداقة انطلاقا من رباط المسيرة …ينبغي عليكم استثمار أنشطة تجعل من أسرة المسيرة قوة دفع تلبي نداء الواجب كما تطلب ذلك .. يجب خلق وداديات ، جمعيات ثقافية ورياضية تجعل من اللحمة التي تكونت في مخيمات المسيرة أكثر قوة واتحادا من شمال المغرب الى جنوبه من شرقه إلى غربه “.
التحقنا بأسرنا ومن تم شهد المغرب ميلاد العديد من الوداديات والجمعيات الثقافية والأندية الرياضية طبقا للتعليمات السامية لرائد الأمة ومن تم أيضا ينبغي على كل واحد منا أن يتخذ من هذه النصائح واجبا يقوم به .
وفعلا تأسست جمعيات ووداديات لنفس الغرض ولتبقى ملحمة المسيرة في ذاكرة كل مغربي ومغربية الى ان يرث الله الارض ومن عليها..وكنت أثناء المسيرة اراسل جريدة ” ماروك سوار ” التي كنت أعمل بها لنشر مقالاتي تحت عنوان ” Carnet de Route d’un volontaire” وكان المرحوم  البودالي ستيتو هو الذي يشرف على نشرها في حلقات
لقد صنعت منا المسيرة الخضراء وطنيون أحرارا  يلبون النداء الملكي مستعدين للتضحية في سبيل الوطن وقضيته الأولى .
لقد شكل حدث المسيرة الخضراء التي أعلن عنها جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه حدثا بارزا ودرسا حقيقيا في النضال من اجل إحقاق الحق ومناسبة لكسب رهان البناء وتحديا لخصوم الوحدة الترابية للمملكة.
ولئن كانت المسيرة الخضراء حدثا فريدا من نوعه في تاريخ ملاحم الشعوب فإنها علاوة عن ذلك نظمت على أساس الشرعية الدولية بعد أن أصدرت محكمة العدل الدولية بلاهاي يوم 16 أكتوبر 1975 رأيها الاستشاري الذي يؤكد وجود روابط البيعة بين مختلف القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب مما شكل اعترافا ثابتا بشرعية الحق المغربي في استرجاع ما اغتصب من أرضه.
كما شكلت الصحراء المغربية المسترجعة نقطة تحول في تاريخ المغرب وجزءا متميزا ضمن باقي أجزاء التراب الوطني لأنها كانت وستظل بوابته إلى إفريقيا ومجالا جغرافيا شديد التأثير في حضارته حيث تمكن المغرب عبرها من نشر الدين الإسلامي الحنيف إلى العديد من المناطق جنوب الصحراء وما زال بحسب الزيارات المتكررة لجلالة الملك محمد السادس للعديد من الدول الافريقية.
ولم تتوقف المسيرة الخضراء عند استرجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية بل كانت ملحمة متواصلة ومترابطة قوامها البناء والإنماء ومرحلة متقدمة في عملية الجهاد الاكبر الذي سبق أن رفعه المغرب كتحد مستقبلي. فقد كان حدث المسيرة الخضراء إيذانا بتحول عميق وطفرة حقيقية في تاريخ وحياة سكان هذه الأقاليم التي كانت لفترة من الزمن محرومة من كل مقومات التنمية.
وجاءت مسيرة البناء لتشكل منعطفا جديدا ضمن التحديات الكبرى التي اعتاد المغرب على رفعها خاصة وأنها كانت بإجماع الشعب المغربي بكل مكوناته على خوض رهان الوحدة الترابية وتجنيد الطاقات الوطنية على مختلف الأصعدة لقطع الطريق على خصوم الوحدة الترابية للمملكة.
ولا يجد المتتبع للمنجزات التي تحققت في الأقاليم الجنوبية بدا من أن يسجل بفخر واعتزاز القفزات النوعية التي تحققت في شتى المجالات من اجل تحقيق الرخاء المنشود لأبناء هذه المنطقة اسوة بمواطنيهم في الشمال وليتأكد من أن المنجزات التي شملت كافة الأصعدة من اقتصادية وثقافية وعمرانية وخدمات اجتماعية ما هي إلا دليل آخر على مواصلة ملحمة الجهاد الأكبر.
لقد كان الإعلان عن نهج سياسة جهوية في الأقاليم الصحراوي إيذانا بتحول عميق باعتبارها رافدا من روافد الديمقراطية المحلية ومرتكزا محوريا لرؤية متكاملة لتدبير الشؤون المحلية.
فقد تم تكريس هذا المنحى في الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة المغفور له الحسن الثاني يوم سادس نونبر 1994 من خلال الإعلان عن “مسيرة الجهات” باعتبار الجهة “مجالا متميزا تتبلور فيه بتكامل وتناسق أولويات الاقتصاد الوطني في قطاعيه العام والخاص لتحقيق وتهيئة رشيد للتراب الوطني”.
ويظهر جليا أن الثورة التنموية التي شهدتها وتشهدها الصحراء المغربية في مختلف القطاعات تؤهلها لأن تشكل نموذجا رائدا على مستوى التجارب الجهوية باعتبار أن الجهوية كمفهوم وممارسة تنطلق في إطار الخصوصية لتكون شكلا متقدما من أشكال الديمقراطية المحلية ومحركا أساسيا لدعم المسار التنموي حتى يكون هذا الجزء من الوطن فضلا عن اختزاله لمعاني التضحية والصمود نبراسا ومثالا يحتدى به لباقي الجهات على مستوى تدبير الشؤون والمحلية وكسب رهان النماء.
ومما يبرز الأهمية التي يوليها جلالة الملك محمد السادس للأقاليم الجنوبية إعطاء جلالته تعليماته السامية بإنشاء لجنة ملكية لمتابعة الشؤون الصحراوية يوم 23 شتنبر 1999 وترأس جلالته في 25 أكتوبر من السنة ذاتها اجتماعا لهذه اللجنة حيث أمر جلالته بتخصيص غلاف مالي لمعالجة مشاكل البطالة في الأقاليم الجنوبية وحل مشكلة النقل التي يعاني منها الطلبة المنحدرون من هذه الأقاليم.
كما أعطى جلالة الملك أوامره السامية بتفعيل المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية وذلك بتنظيم انتخاب أعضائه بكل شفافية ونزاهة ليمثل أعضاءه في اللجنة الملكية لمتابعة الشؤون الصحراوية. كما أمر بإيلاء أهمية كبرى لقضايا السكن في الأقاليم الجنوبية.
ويواصل المغرب من جهة أخرى مسيرته على المستوى الديبلوماسي لتأكيد مغربية الصحراء والتصدي لأطماع الخصوم الذين يتمادون في محاولاتهم الرامية إلى عرقلة تطبيق مخطط التسوية الأممي وخلق المزيد من المناورات من أجل محاولة الخروج من العزلة الدولية التي تصاعدت وتيرتها في السنين الأخير وذلك من خلال مسلسل سحب الاعتراف بالجمهورية الوهمية من قبل عدد هام من الدول التي لها وزنها على الساحة الدولية كما هو الشأن على سبيل المثال لا الحصر بالنسبة للهند وعودة المئات من الصحراويين المغرر بهم والمحتجزين بمخيمات لحمادة إلى أرض الوطن استجابة للنداء الملكي “إن الوطن غفور رحيم”.
وتبقى المسيرة الخضراء بدون شك أهم حدث عرفه العالم ومحطة تاريخية متميزة والتجسيد الأمثل لإرادة الشعب المغربي بكل مكوناته حيث انها كانت فرصة أخرى التحمت فيها القمة والقاعدة قلبا وقالبا لكتابة صفحة جديدة من تاريخ المغرب المعاصر.
لقد كتبنا تاريخنا بأحرف من ذهب تقرأه الأجيال القادمة..
يتبع // الفصل الثاني .. الرجوع الى العمل لكن بافكار جديدة
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!