جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

بين نيران الساحل ودخان التحولات… المغرب ومالي يرسمان خرائط السيادة الجديدة

0 29

حين تبدأ الدول في استعادة قرارها السيادي، لا تأتي المواجهة دائمًا في شكل بيانات رسمية أو مواقف معلنة، بل تتسلل في هيئة نيران مبهمة، بلا توقيع واضح. غير أن الدخان، مهما حاول التمويه، يظل كاشفًا لاتجاه الريح… ومن يتتبعه، يدرك أن ما يجري ليس دائمًا صدفة.
هذا ما يجعل قراءتنا المتواضعة للتحولات الأخيرة في علاقة المغرب بـمالي تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي.
فاختيار مالي إعادة تموقعها، والاقتراب من الطرح المغربي في قضية الصحراء، لا يمكن اعتباره مجرد تعديل في المواقف، بل هو إعلان مباشر عن إرادة التحرر من توازنات قديمة، كانت تُفرض أكثر مما تُختار
لكن، وكما جرت العادة في جغرافيا معقدة مثل الساحل، فإن القرارات السيادية لا تمر في صمت ، فبدل أن تواجه بالاعتراض السياسي الواضح داخل مؤسسات الدولة، تجد نفسها محاطة باضطرابات مباغتة، وأحداث أمنية تبدو في ظاهرها منفصلة عن السياق، لكنها في العمق تتحرك داخله.
هنا، لا تعود الأسئلة موجهة فقط نحو “من نفّذ؟”، بل نحو “من يستفيد؟”.
احداث باماكو، ليس مجرد حدث أمني عابر. فالعاصمة ليست فقط مركزًا جغرافيًا، بل رمز للسيادة واستهدافها، في لحظة تحولات سياسية، يفتح باب التأويل على مصراعيه.
ليس لأن هناك دليلًا مباشرًا على علاقة سببية، ولكن لأن تزامن الأحداث في عالم المصالح نادرًا ما يكون بريئًا بالكامل.
في الساحل، لا تتحرك الجماعات المسلحة فقط بدافع أيديولوجي بل هناك اقتصاد ظل، شبكات تهريب، وتقاطعات مصالح تجعل من الفوضى موردًا قائمًا بذاته.
وفي مثل هذا السياق، تصبح النيران أداة، لا بالضرورة بيد من أشعلها أول مرة، بل بيد من وجد فيها فرصة لإعادة توجيه المسار.
من منظور مغربي، لا يُقرأ هذا المشهد بعين الشك فقط، بل بعين المسؤولية أيضًا لان استقرار دولة مالي ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل ضرورة استراتيجية، وأي ارتباك في هذا البلد لا يبقى محصورًا داخل حدوده، بل يمتد أثره إلى عمق غرب إفريقيا، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية، والروابط الروحية، وتوازنات الأمن الإقليمي.
لهذا، اختار المغرب مقاربة مختلفة: لا تقوم على رد الفعل، بل على البناء الهادئ—تكوين ديني معتدل، تعاون أمني، وشراكات تنموية وهي أدوات قد لا تُحدث ضجيجًا سريعًا، لكنها تُراكم استقرارًا فعليًا، في مقابل مقاربات أخرى أثبتت أن القوة الصلبة وحدها لا تُطفئ الحرائق، بل قد تُعيد توزيعها فقط.
في النهاية، قد لا نستطيع دائمًا تحديد من أشعل النار، لكننا نستطيع، إذا دققنا النظر، أن نعرف إلى أين يتجه الدخان و من اين اتى وهناك، في ذلك الاتجاه، تُرسم خرائط النفوذ الحقيقية… بعيدًا عن البلاغات الرسمية، وقريبًا جدًا من منطق المصالح.
وفي خضمّ هذه التحولات، يظلّ الثابت الذي لا ينبغي أن تحجبه قراءات التوازنات ولا ضباب الصراعات، هو الالتزام الأخلاقي والدبلوماسي والسياسي تجاه الدول الصديقة والشقيقة فالعلاقات بين المغرب ومالي لا تُبنى فقط على تقاطع المصالح، بل على رصيد من الثقة والاحترام المتبادل، وعلى وعي مشترك بأن استقرار الدول وسيادتها مسؤولية جماعية، لا مجال فيها للمزايدات ولا للارتجال.
وفي زمن تتشابك فيه الحسابات، يبقى الوفاء للشراكات الصادقة معيارًا للجدية، ودليلًا على أن السياسة، مهما تعقّدت، يمكن أن تظلّ وفية لأخلاقها.

الحسين اموح شهراوي نائب رئيس المنظمة

الدولية للدبلوماسية الموازية و الاعلام و التسامح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!