جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

رهانات الملكية الفكرية في زمن الثورة الرقمية

احمد العهدي مدير مكتب أصداء مغربية بجهة الداخلة وادي الذهب

0 16

احمد العهدي مدير مكتب أصداء مغربية بجهة الداخلة وادي الذهب

بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية، الذي تحتفي به المنظمة العالمية للملكية الفكرية في السادس و العشرين ابريل من كل سنة، يتجدد النقاش حول الملكية الفكرية باعتبارها أكثر من مجرد منظومة قانونية، بل ركيزة حضارية تعكس احترام المجتمعات لعقول مبدعيها و مبدعاتها ، وقدرتها على تحويل الفكرة إلى قيمة في اقتصاد تقوده المعرفة تعزيزا لاقتصاد المعرفة .
لقد أعادت الثورة الرقمية تشكيل هذا المفهوم، حيث لم تعد الحماية مقتصرة على المصنفات التقليدية، بل امتدت إلى المحتوى الرقمي والبرمجيات وإنتاجات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح أسئلة جديدة حول حدود الإبداع وملكيته في عالم تتداخل فيه مساهمة الإنسان مع قدرات الآلة.
وفي المغرب، يؤطر هذا المجال ترسانة قانونية متقدمة، في مقدمتها القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة كما تم تتميمه وتعديله، والذي يحدد حقوق المؤلفين ويكفل لهم الحماية القانونية لمصنفاتهم، سواء كانت مكتوبة أو سمعية بصرية أو رقمية، وبذلك آل المكتب المغربي لحقوق المؤلف و الحقوق المجاورة ، الذي تديره الاستاذة القديرة المرافعة بمواطنة مسؤولة و نفَس حقوقي لا يستكين عن قضايا الابداع و المبدعين السيدة دلال محمد العلوي ،مديرة المكتب المغربي لحقوق المؤلف ،آل هذا المكتب على نفسه ان يظل وفيا لخدمة الابداع و المبدعين، بل اصبح رائدا على صعيد القارة السمراء، من خلال رفعه شعار:” إفريقيا تبتكر، فلنحم مبدعيها!”
كما يضطلع المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية بدور محوري في حماية الملكية الصناعية، من خلال تسجيل العلامات التجارية وبراءات الاختراع والتصاميم الصناعية.
غير أن هذا الإطار، رغم أهميته، يواجه تحديات متزايدة في ظل البيئة الرقمية، حيث أصبحت القرصنة الرقمية من أبرز التهديدات، بالنظر إلى سهولة النسخ وإعادة النشر، وصعوبة تتبع الانتهاكات في فضاء مفتوح يتجاوز الحدود. ولم تعد السرقة تقتحم البيوت، بل صارت تتسلل إلى العقول عبر الشاشات، في مشهد يختزل مفارقة العصر بين وفرة الوصول وهشاشة الحماية.
ومع ذلك، فإن الثورة الرقمية لا تختزل في التهديد فقط، بل تتيح فرصًا واعدة، إذ مكّنت المبدعين من الوصول إلى جمهور أوسع، وفتحت أمامهم إمكانيات جديدة وعوامل الهام لتحقيق العائد من أعمالهم. كما برزت تقنيات حديثة مثل تقنية البلوكشين، التي توفر آليات توثيق دقيقة وشفافة، قادرة على تثبيت الملكية وحماية الحقوق في سجل زمني غير قابل للتلاعب.
وفي خضم هذا التوازن بين الحرية والحماية، تطرح الملكية الفكرية سؤالًا جوهريًا: كيف نحمي الإبداع دون أن نقيّد انتشاره؟ فالإبداع بطبيعته يحتاج إلى فضاء مفتوح، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى حماية تضمن حقوق أصحابه وتصون جهودهم من الاستغلال.
أما على مستوى الوعي المجتمعي، فرغم استمرار بعض الممارسات المرتبطة بثقافة “المحتوى المجاني”، فإن ملامح تحول إيجابي بدأت تتشكل، من خلال بروز عقلية جديدة تنخرط في دينامية وعي إيجابي، تدرك أن احترام الملكية الفكرية ليس عائقًا أمام تداول المعرفة، بل شرطًا أساسياً لبناء منظومة إبداعية عادلة ومنصفة ومتوازنة ومحفزة على مزيد من الانتاج الفكري والابداع الفني.
إن تعزيز هذا الوعي يقتضي إدماجه في المناهج التعليمية، وتكثيف الحملات التحسيسية، إلى جانب تطوير آليات المراقبة القانونية في الفضاء الرقمي، بما ينسجم مع التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وفي زمن تُقاس فيه قوة الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة، تصبح الملكية الفكرية خط الدفاع الأول عن كرامة الإبداع، واختيارًا ثقافيًا يعكس إيمانًا بأن صون الفكرة هو في جوهره صون للإنسان. ومن هذا المنطلق، فإن الانخراط في دينامية الوعي الإيجابي لم يعد ترفًا، بل ضرورة تفرضها تحولات عالم يتجه بثبات نحو اقتصاد لا يعترف إلا بمن يحسن حماية أفكاره قبل نشرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!