يعيش المجتمع المغربي اليوم على إيقاع نقاش مجتمعي وقانوني واسع، تجاوز في ملامحه حدود “تجويد القوانين” ليصل إلى مناطق تمس جوهر العقيدة والهوية. وهو نقاش تثيره، بكل أسف، توجهاتٌ رسمية صادرة عن وزارة العدل، تسعى إلى فرض تغييرات جذرية لا تمت بصلة إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، بل وتصطدم صراحةً مع نصوص الوحي القطعية التي ارتضاها المغاربة دستوراً لروحهم وحياتهم عبر العصور.
إن ما يُطرح اليوم من دعوات لـ “تحديث” القوانين عبر المساس بأحكام المواريث، أو المساواة في الشهادة بين الرجل والمرأة في غير مواضعها، أو التلويح برفع التجريم عن العلاقات خارج إطار الزوجية والمس بالحياء العام، ليست مجرد وجهات نظر قانونية؛ بل هي “نزوات تشريعية” تحاول القفز على “القطعي الشرعي” والالتفاف على “النص القرآني” بدعوى الحداثة والالتزامات الدولية. إن الإسلام، كما استقر في وجدان هذه الأمة، ليس “مادة طينية” تشكلها أهواء العصور أو إملاءات المنظمات الخارجية، بل هو وحيٌ يجمع بين الثبات في الأصول والاجتهاد في الفروع بما لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً.
ومن هنا، فإننا في “أصداء مغربية” نجدد التأكيد على أن أي محاولة لإفراغ القوانين المغربية من محتواها الديني والقيمي، هي محاولة لزعزعة الأمن الروحي للمغاربة. فكيف يمكن لمشرع أن يسمي أحكاماً قرآنية صريحة بأنها “أحكام من القرون الوسطى”؟ أو يستهزئ بمنظومة فقهية سهر على حراستها علماء ربانيون لقرون؟ إن هذا التطاول لا يمس المؤسسات الدينية فحسب، بل يضرب في عمق “البيعة الشرعية” التي تربط العرش بالشعب، وهي البيعة التي تجعل من “إمارة المؤمنين” الحارس الأمين الذي يحمي حِمى الملة والدين من أي شطط أو استهتار.
لقد وضع أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، قاعدة ذهبية وواضحة حين قال: “لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله”. هذه القاعدة هي الرد الحاسم على كل من تسول له نفسه العبث بالهوية المغربية. فالاجتهاد في المغرب له مؤسساته العلمية الرصينة، وعلى رأسها المجلس العلمي الأعلى، وليس مجالاً للتجارب الفكرية التي تستهدف تفكيك الأسرة المغربية وضرب استقرارها القيمي.
إن الحداثة الحقيقية هي التي تحترم خصوصيات الشعوب وعقائدها، والوفاء للقرآن والسنة هو صمام الأمان الوحيد لاستمرارنا. وأي خروج عن هذا النهج، تحت مسميات “الحريات الفردية” أو “العصرنة”، هو في حقيقته خروج عن الإجماع الوطني واستهانة بالمقدسات. إننا ندعو المسؤولين عن الشأن القانوني إلى التبصر والحكمة، والعودة إلى مرجعيتنا الأصيلة، فالمغرب بلدٌ عريق، وقوة دولته مستمدة من وفائها لشرع الله تحت ظلال إمارة المؤمنين.