العودة بعد الاحتراق “قراءة في كتاب ” لهيب الركح المسرحي” للناقد المغربي نجيب طلال
انجاز : الدكتور . رشيد هيبا
يعد الكاتب والناقد المغربي نجيب طلال من الأصوات النقدية المتميزة في الساحة المسرحية المغربية، فقد حرص من خلال مقالاته ودراساته على مساءلة واقع المسرح المغربي، وكشف اختلالاته، منتقدا مظاهر المجاملة الثقافية وهيمنة العلاقات الشخصية، في بعض الفعاليات والمهرجانات المسرحية، كما دعا باستمرار إلى إعادة الاعتبار للفعل المسرحي بوصفه مشروعا فكريا وجماليا، يتجاوز حدود الترفيه السطحي، إلى فضاء للإبداع والتفكير النقدي، وهذا الأمر انعكس كقناعة في مجال الكتابة عند الأستاذ الناقد نجيب طلال الذي لم يقتصر على دراسة الشأن المسرحي المغربي فقط، بل رصد جملة من الأعمال المسرحية خاصة في العراق[1] سواء كانت نصوصا أو عروضا محاولا ربطها بالسياق الثقافي وجدلية الواقع بعد حرب الخليج الثانية، كما أنه اهتم بالتوثيق لبعض المسرحين المغاربة كمحمد تيمد[2]، إضافة إلى قدرته الفائقة في إبداع نصوص مسرحية، وأخرى قصصية، وكل هذه الأعمال تؤكد على نبوغ الأستاذ نجيب طلال، وقدرته على خلق انسجام فني بين الكتابة الإبداعية[3] بمختلف أجناسها، وكذا الدراسة النقدية المتخصصة.
ولعل خبرته في السرد والحكي تمنحه حسا جماليا يجعله أكثر قربا من روح النص الأدبي، بينما يزوده اشتغاله النقدي بأدوات التحليل والتأويل التي تعمق فهمه لبنية النصوص ودلالاتها، وهذا التداخل بين التجربتين يتيح له إنتاج كتابة منسجمة تجمع بين حساسية المبدع ودقة الناقد، فالكتابة النقدية لا تبدو عنده منفصلة عن التجربة الإبداعية، بل امتدادا لها للتأمل فيها وتفكيك آلياتها الجمالية والفكرية، لذلك تشكل مختلف أعماله نموذجا لوعي أدبي يجمع بين الخيال والتحليل، ويؤكد أن الإبداع والنقد مساران متكاملات في خدمة الأدب والفن، وفي إطار دينامية التأليف في المجال المسرحي، صدر للناقد والكاتب المغربي نجيب طلال، كتاب جديد بعنوان ” لهيب الركح المسرحي”[4]، وهو كتاب توثيقي لمسار الفنان “أحمد جواد” مع التركيز على وضعية الفنان الذي وضع حدا لحياته بالاحتراق أمام وزارة الثقافة، احتجاجا على الحالة الاجتماعية والنفسية والفنية التي انتهى إليها.
فالكتاب من خلال هذا الحدث المأساوي يرصد بصيغة العموم بعض الوقائع الصادمة التي تعكس حجم الإحباط الذي قد يطال بعض المبدعين، خاصة حين تتحول الاحتجاجات إلى تراجيديا واقعية. تختزل واقع الممارسة المسرحية في أبعادها الفنية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية.
إن عنوان الكتاب “لهيب الركح المسرحي” يشكل بنية دلالية كثيفة تقوم على توثر رمزي بين مفردتي ” اللهيب” و” الركح”، فمفردة اللهيب تحيل في المستوى الدلالي للعنوان على الطاقة المتقدة، والتحول والاحتراق بوصفه لحظة قصوى من الانفعال والتوتر، بينما يشير “الركح المسرحي” إلى الحيز الرمزي الذي تتجسد فيه الأفعال الإنسانية، وتعرض فيه التوترات الاجتماعية والثقافية أمام المتلقي، ومن منظور سيميائي يتأسس العنوان على علاقة مجازية تجعل من المسرح فضاء للاشتعال الرمزي، حيث تتحول التجربة الإبداعية إلى فعل إحتراق جمالي ومعرفي، بما يحمله من توهج وإضاءة للواقع، غير أن هذا التركيب الدلالي يكتسب بعدا تأويليا أكثر مأساوية في ضوء حادثة إقدام الفنان المغربي أحمد جواد على إحراق نفسه أمام وزارة الثقافة المغربية إحتجاجا على أوضاعه الاجتماعية والمهنية، ليغدو اللهيب من خلال هذا الحدث، علامة سيميائية تتجاوز بعدها الاستعاري لتلامس الواقع المأساوي، ويتحول جسد الفنان نفسه إلى “ركح” للاحتراق والرفض، وبذلك ينفتح العنوان على قراءة مزدوجة :
-
قراءة جمالية ترى في اللهيب استعارة لحرارة الفعل المسرحي وقدرته على الإضاءة والكشف.
-
وقراءة نقدية ترى في اللهيب مؤشرا على الاحتراق الرمزي والمادي الذي قد يطال الفنان بصفة عامة في سياق هشاشة البنية الثقافية.

