من تحويل الأموال إلى صناعة التنمية ونقل الكفاءات تطرح العلاقة بين المملكة المغربية وأبنائها المقيمين بالخارج اليوم أسئلة عميقة تتجاوز البعد الوجداني والموسمي المرتبط بعودة مغاربة العالم إلى أرض الوطن خلال فصل الصيف. فقد أضحت هذه الفئة الديموغرافية والاقتصادية والمهنية رافعة أساسية في المشروع التنموي الوطني، ورهاناً استراتيجياً يتطلب الانتقال من المقاربة التقليدية إلى رؤية جديدة تقوم على المواطنة والشراكة والمشاركة الفعلية في التنمية وصناعة المستقبل. لقد اضطلع مغاربة العالم، على مدى عقود، بأدوار اقتصادية واجتماعية ووطنية مهمة، سواء من خلال تحويلاتهم المالية أو استثماراتهم أو مساهماتهم في دعم أسرهم ومناطقهم الأصلية. غير أن المرحلة الراهنة تفرض تجاوز المقاربة التي تختزل مغاربة العالم في مجرد أرقام للتحويلات المالية أو «مسعفين» يتم اللجوء إليهم في أوقات الأزمات، والانتقال بهم إلى موقع الشريك الاستراتيجي في الاستثمار والتنمية ونقل الخبرات والكفاءات. الثقل الديموغرافي والمالي: أرقام تعكس واقعاً أعمق تُقدَّر الجالية المغربية المقيمة بالخارج بأكثر من 6 ملايين شخص، موزعين على أكثر من 120 بلداً عبر مختلف القارات، وهو ما يجعل مغاربة العالم امتداداً بشرياً واقتصادياً وثقافياً مهماً للمملكة، وليس مجرد ظاهرة مرتبطة بالهجرة أو العودة الموسمية إلى أرض الوطن. وتبرز الأهمية الاقتصادية لهذه الجالية بشكل خاص من خلال التحويلات المالية. فقد بلغت تحويلات مغاربة العالم خلال سنة 2025 حوالي 122.023 مليار درهم، مقابل 118.979 مليار درهم سنة 2024، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 2.6%، وفق معطيات مكتب الصرف. وتؤكد هذه الأرقام أن تحويلات مغاربة العالم تمثل مورداً مهماً للعملة الأجنبية، وتساهم في دعم دخل آلاف الأسر المغربية وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الاختلالات الخارجية. كما يعادل حجم هذه التحويلات نحو 6.5% من الناتج الداخلي الخام، بما يعكس الوزن الاقتصادي الكبير لمغاربة العالم. وتواصل هذه التدفقات منحاها الإيجابي خلال سنة 2026؛ فقد بلغت تحويلات مغاربة العالم 50.223 مليار درهم إلى نهاية ماي 2026، مقابل 46.161 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بارتفاع قدره 8.8%، وفق آخر المعطيات المنشورة من طرف مكتب الصرف. وتكتسي هذه التحويلات أيضاً بعداً اجتماعياً بالغ الأهمية، إذ ساهمت على مدى سنوات، وخاصة خلال الأزمات، في دعم الأسر المغربية والحفاظ على قدرتها على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة. غير أن هذه الأرقام تطرح سؤالاً أكبر من مجرد حجم التحويلات: هل ينبغي أن تظل علاقة المغرب بمغاربة العالم قائمة أساساً على تحويل الأموال ودعم الأسر، أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة جديدة تجعل من هذه الثروة البشرية والمالية شريكاً استراتيجياً في الاستثمار والإنتاج ونقل المعرفة؟ مغاربة العالم والاستحقاق التشريعي: من التمثيل الرمزي إلى المشاركة الفعلية ونحن على بعد أسابيع قليلة من موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، تبرز بشكل أكثر إلحاحاً مسألة مكانة مغاربة العالم في البرامج السياسية وفي الرؤى المستقبلية للأحزاب والقوى الوطنية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا أُعد لمغاربة العالم؟ صحيح أن عدداً من الهيئات السياسية عمل خلال السنوات الأخيرة على استقطاب بعض الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، وإحداث آليات للتواصل والتنسيق معها، غير أن هذه المبادرات تظل في حاجة إلى الانتقال من الطابع المناسباتي أو الانتخابي إلى مقاربة مؤسساتية دائمة. فمغاربة العالم لا ينبغي أن يُنظر إليهم باعتبارهم خزانا انتخابياً أو مصدراً للتمويل أو واجهة للتواصل الخارجي، وإنما باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الأمة المغربية، يمتلكون كفاءات وتجارب وخبرات راكموها داخل بيئات اقتصادية ومؤسساتية وعلمية مختلفة. وقد وضع دستور 2011 أسساً متقدمة في هذا المجال، ولا سيما من خلال الفصول 16 و17 و18، التي تؤكد على حماية حقوق ومصالح المغاربة المقيمين بالخارج وتعزيز مساهمتهم في تنمية وطنهم والحفاظ على روابطهم مع المغرب. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في استقطاب بعض الأسماء خلال الاستحقاقات الانتخابية، وإنما في خلق إطار مؤسساتي يسمح لمغاربة العالم بالمساهمة الفعلية في صياغة السياسات العمومية والاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم. ماذا أعددنا لمغاربة العالم؟ من الرعاية إلى الشراكة في تقديري، فإن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم ليس فقط: «ماذا قدم مغاربة العالم للوطن؟»، وإنما أيضاً: «ماذا أعد الوطن لأبنائه في الخارج؟» لقد آن الأوان للانتقال من علاقة تقوم أساساً على التحويلات المالية والدعم الاجتماعي إلى علاقة استراتيجية قائمة على الاستثمار والشراكة ونقل المعرفة والخبرة. وفي هذا السياق، أرى أن المرحلة المقبلة تستوجب العمل على خمسة محاور أساسية: أولاً: تحديث آليات الاستثمار ينبغي توجيه جزء أكبر من مدخرات مغاربة العالم نحو الاستثمار المنتج، ولا سيما في القطاعات الصناعية والتكنولوجية والطاقات المتجددة والاقتصاد الرقمي والقطاعات ذات القيمة المضافة. ويتطلب ذلك توفير مواكبة فعالة وشفافة، وتبسيط الإجراءات، وتقديم ضمانات واضحة للمستثمر، حتى يشعر المغربي المقيم بالخارج بأنه ليس مجرد مستثمر عابر، وإنما شريك كامل في المشروع التنموي الوطني. ثانياً: رقمنة وتبسيط المساطر لا يزال تعقيد بعض الإجراءات الإدارية وطول آجال معالجة الملفات من بين العوامل التي يمكن أن تؤثر في قرار الاستثمار. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تسريع الرقمنة، وتبسيط المساطر، وتوفير خدمات إدارية وقنصلية أكثر فعالية، وربط مختلف المؤسسات المعنية بالمستثمر المغربي المقيم بالخارج بمنظومة رقمية متكاملة قدر الإمكان. ثالثاً: بناء شبكة عالمية للكفاءات المغربية يمتلك المغرب ثروة بشرية هائلة خارج حدوده تضم أطباء ومهندسين وأساتذة وباحثين وخبراء في الاقتصاد والمال والقانون والتكنولوجيا والإدارة. والتحدي لا يكمن فقط في استقطاب هذه الكفاءات للعودة النهائية إلى المغرب، وإنما أيضاً في خلق آليات تسمح لها بالمساهمة في التنمية وهي في بلدان إقامتها، من خلال الشراكات العلمية والمهنية، ونقل المعرفة، والتكوين والاستشارات والمشاريع المشتركة. وهنا يمكن لمغاربة العالم أن يتحولوا من رأسمال بشري موزع جغرافياً إلى شبكة عالمية للكفاءات المغربية تخدم الاقتصاد الوطني وتدعم إشعاع المغرب الدولي. رابعاً: تعزيز الحكامة المؤسساتية تفرض التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي عرفتها الجالية المغربية، وخاصة بروز أجيال جديدة من أبناء وبنات المغرب في دول الإقامة، إعادة التفكير في منظومة الحكامة المؤسساتية الموجهة إلى مغاربة العالم. ومن الضروري توضيح الأدوار وتكاملها بين مختلف المؤسسات والهيئات المعنية، بما يضمن فعالية أكبر في الاستجابة للحاجيات الجديدة، ويحافظ في الوقت ذاته على ارتباط الأجيال الجديدة بوطنها الأم. خامساً: من «اليوم الوطني للمهاجر» إلى مواكبة مستدامة يشكل الاحتفال باليوم الوطني للمهاجر مناسبة مهمة لتجديد التواصل مع مغاربة العالم والإنصات إلى انتظاراتهم. غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل هذا التواصل من محطة سنوية ومناسباتية إلى مواكبة مؤسساتية مستمرة على مدار السنة. ومن المفيد التفكير في إحداث خلايا متخصصة داخل العمالات والأقاليم، تعمل على توجيه أفراد الجالية ومساعدتهم في حل الإشكالات الإدارية والعقارية والاستثمارية، بعيداً عن ضغط الموسم الصيفي وضيق المواعيد. من «عربة إطفاء» مالية إلى شريك في التنمية استناداً إلى هذه المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أصبح من المشروع أن نتساءل عن السبل الكفيلة بالانتقال بمغاربة العالم من خانة «المساعدين في أوقات الأزمات» إلى موقع «الشركاء في التنمية». فهذا الانتقال ليس ترفاً سياسياً أو اقتصادياً، وإنما أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات التي يعرفها المغرب والعالم. لقد أثبت مغاربة العالم، عبر عقود، أنهم قادرون على تقديم الدعم المالي والاجتماعي لوطنهم. لكن الرهان الجديد يجب أن يتمثل في تمكينهم من المساهمة بصورة أوسع في بناء الاقتصاد الوطني، ونقل المعرفة، وتشجيع الابتكار، وتعزيز الاستثمار، والدفاع عن المصالح الوطنية في مختلف مواقعهم عبر العالم. إن مربط الفرس لا يكمن فقط في حجم الأموال التي يحولها مغاربة العالم إلى وطنهم، وإنما في قدرة المغرب على تحويل هذه العلاقة إلى شراكة استراتيجية متكاملة، تستثمر في الإنسان قبل المال، وفي المعرفة قبل التحويلات، وفي الثقة قبل الإجراءات. ومن هنا، فإن بناء المغرب الجديد يقتضي أن ننظر إلى مغاربة العالم باعتبارهم جزءاً من القوة الاقتصادية والبشرية والدبلوماسية للمملكة، وأن نمنحهم المكانة التي يستحقونها في المشروع التنموي الوطني.
التحدي الكبير فمغاربة العالم ليسوا مجرد مواطنين يعيشون خارج الحدود، وإنما هم امتداد عالمي للمغرب، يحملون معه هويته وثقافته ومصالحه، ويمكن أن يشكلوا جسراً دائماً بين المملكة والعالم. والتحدي الحقيقي اليوم هو تحويل هذه القوة الكامنة إلى قوة فعلية ومنظمة، عبر إرادة سياسية ومؤسساتية قادرة على ترجمة المقتضيات الدستورية والوعود الإدارية إلى سياسات عمومية وإجراءات ملموسة تعيد الثقة، وتفتح آفاقاً جديدة أمام ملايين المغاربة المنتشرين عبر مختلف دول العالم. فإذا كان مغاربة العالم قد وقفوا إلى جانب وطنهم في أوقات الأزمات، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تجعل منهم شركاء كاملين في صناعة التنمية وبناء مغرب المستقبل.
المصادر: مكتب الصرف، والمعطيات الرسمية المتعلقة بمغاربة العالم والاستحقاقات الانتخابية.