عيدة بوي ..المخرجة التي جعلت من الوثائقي جسراً بين الأجيال
في فضاء تتقاطع فيه الذاكرة مع الحلم، وتتعانق فيه الأصوات الخافتة للتراث مع نبض الحاضر، تبرز المخرجة المغربية عيدة بوي كوجه من وجوه الإبداع الجديد، تحمل كاميرتها كمرآة تعكس ملامح الصحراء وتعيد صياغة الحكاية في صورة بصرية نابضة بالحياة. هي ابنة طانطان التي اختارت أن تجعل من الفيلم الوثائقي جسرًا بين الأجيال، ووسيلة لتثبيت الهوية الثقافية في زمن تتسارع فيه التحولات. منذ خطواتها الأولى في الصحافة، حيث نالت سنة 2013 جائزة دولية من المركز الدولي للصحفيين بواشنطن عن تحقيق استقصائي حول الأطفال المتخلى عنهم، أثبتت أن الكلمة والصورة يمكن أن تكونا معاً سلاحاً للوعي والتغيير.
انتقلت بعدها إلى عالم السينما الوثائقية، فكان فيلمها الأول لوح الدليك ثمرة مشاركتها في مختبر الصحراء سنة 2017، تجربة فتحت أمامها أبواب المهرجانات الوطنية والدولية، وأكدت أن صوت الجنوب المغربي قادر على أن يجد مكانه في المشهد البصري العالمي. ومع تأسيسها لشركة Image of Sahara سنة 2019، رسخت حضورها كمبدعة تجمع بين الرؤية الفنية والقدرة التنظيمية، لتصبح مرجعاً في الإنتاج السمعي البصري بالصحراء المغربية.
وجاء فيلمها حراس لگصر ليشكل محطة فارقة في مسارها، حيث حصد جائزة الإبداع في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، تقديراً لعينها السينمائية التي التقطت تفاصيل قصر آسا التاريخي وأعادت تقديمه كرمز للذاكرة والهوية. هذا التتويج لم يكن مجرد تكريم لفيلم، بل اعتراف بمسار فني يزاوج بين الصحافة والسينما، بين التوثيق والإبداع، وبين المحلية والعالمية.
إن الجوائز التي حصلت عليها عيدة بوي، من واشنطن إلى طنجة، ليست مجرد أوسمة تعلق على جدار، بل هي شواهد على إصرارها على أن الفن مسؤولية ورسالة، وأن الصورة قادرة على أن تكون وثيقة واحتفالاً في آن واحد. أعمالها ليست تسجيلًا للوقائع فحسب، بل شهادات حية تنبض بالصدق، وتعيد الاعتبار للذاكرة الشعبية، وتمنح التراث الحساني والأمازيغي والوطني حضورًا يليق بعمقه التاريخي.
وهكذا، في كل مهرجان تشارك فيه، وفي كل شاشة تعرض عليها أفلامها، يتجلى إصرارها على أن المغرب، من خلال أبنائه المبدعين، قادر على أن يكتب قصته بمداد الضوء والصوت، وأن يقدم للعالم بورتريهًا صادقًا عن ذاته، متجددًا ومتجذرًا في آن واحد. إنها افتتاحية لمسار فني يفتح أبواب المستقبل، ويؤكد أن المرأة المغربية قادرة على أن تكون شاهدة وصانعة للذاكرة، وأن الجوائز التي نالتها ليست سوى بداية لمسار طويل من العطاء والاعتراف.
أصداء مغربية

