في عالم السياسة، لا مكان للعاطفة، ولا قيمة للقرابة ما لم تؤسس على عقل راشد ونية سليمة وقدر المغرب أن يجاور جارين مختلفين في كل شيء، سوى القرب الجغرافي: أحدهما يفكر بعقل الدولة، والآخر يتصرف بردود الفعل والانفعالات.
إسبانيا: الجار العاقل رغم إرث الاحتلال
صحيح أن تاريخ المغرب مع إسبانيا حافل بالألم: من احتلال مدننا الشمالية والجنوبية، إلى معركة تطوان، إلى استعمار الريف وتدمير قرى بأكملها بالغازات السامة ولكن بعد الاستقلال، استطاعت العلاقات أن تتطور ضمن منطق براغماتي يفصل بين الخلاف والتعاون.
في أزمة “جزيرة ليلى” سنة 2002، رغم التوتر، تدخلت واشنطن وتم حل النزاع دون تصعيد.
في قضية الهجرة، ظلت إسبانيا تعتبر المغرب شريكًا استراتيجيًا، رغم أزمات عابرة.
وبعد كارثة انقطاع الكهرباء الشامل مؤخرًا، لم تتردد مدريد في شكر المغرب على المساعدة الفنية، وهو موقف يعكس احترامًا للعلاقات، رغم بقاء ملفات شائكة كقضية سبتة ومليلية.
الجزائر: الجار الذي اختار الحقد بدل الحكمة
على النقيض، الجزائر التي يفترض أن يجمعها مع المغرب أكثر مما يفرقها، اختارت أن تُحوّل علاقتها بالجوار إلى خصومة دائمة:
في 1963، بعد سنة واحدة من استقلالها، هاجمت المغرب في ما عُرف بـ”حرب الرمال”، رغم أن المغرب كان أول من دعم ثورتها بالمال والسلاح والرجال.
طردت آلاف العائلات المغربية سنة 1975 بطريقة لا إنسانية، في مناسبة دينية وهي عيد الأضحى بعد إعلان المغرب عن استرجاع صحرائه في المسيرة الخضراء.
دعمت ولا تزال تدعم ميليشيات انفصالية بالسلاح والمال والدبلوماسية، وتحولت إلى رأس الحربة في عرقلة وحدة المغرب الترابية.
حرقت أي محاولة وساطة أو تهدئة، وقطعت العلاقات الدبلوماسية من جانب واحد، بل وحرّضت على الحرب في أكثر من مرة، في انتهاك صريح لقيم الإسلام والجوار.
الدين ليس ضمانًا للأخلاق ولا للتقارب
رغم أن الإسلام يدعو إلى حسن الجوار ويحرّم الغدر والخيانة، إلا أن الجار الذي يحمل نفس الدين لا يترجم هذا إلى سلوك بالمقابل، قد تجد من يخالفك في الدين، أقرب إليك سلوكًا ورحمة، كما قال تعالى:
“لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى…” صدق الله مولانا العظيم.
هذا يعلّمنا درسًا مهمًا: المصالح والعقل الرشيد، لا الدين ولا الشعارات، هي ما يصنع العلاقات السليمة بين الأمم.
ما العمل؟
تثبيت الثقة في النفس والمصالح الوطنية العليا.
الاستمرار في مد اليد ولكن دون خنوع.
الاستثمار في شراكات ذكية مع من يفهم معنى الدولة، سواء أكان مسيحيًا أو بوذيًا أو ملحدًا.
تحصين الجبهة الداخلية سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، لأن العدو الحقيقي هو الضعف الداخلي.
خلاصة القول:
لا يُقاس الجار بالدين، بل بالعقل والسلوك. فكم من جار كافر يفهم قواعد الجوار، وكم من جار مسلم يحنّ إلى إشعال الحرائق.. والمغرب، كما كان عبر تاريخه، سيظل أرض التوازن والعقل، لا أرض ردود الفعل