جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

أول امرأة على كرسي الحكومة : نهاية الهيمنة الذكورية وتدشين عصر التجديد السياسي

0 25

تتجه أنظار المتتبعين للشأن السياسي في المغرب بنوع من الترقب الشغوف نحو التحولات الهيكلية التي تشهدها الساحة الوطنية، حيث يتقاطع النقاش حول نجاعة الأداء الحكومي مع أسئلة التجديد السياسي والديمقراطي، ليفرض حضور المرأة نفسه كركيزة أساسية لا محيد عنها في معادلة التغيير المنشود. إن هذا التراكم النضالي والتنفيذي الذي راكمته المرأة المغربية على مدى عقود لم يعد مجرد استجابة لمتطلبات المناصفة أو الشعارات الحقوقية المجردة، بل تحول إلى ضرورة مجتمعية وسياسية تمليها التحديات التنموية الراهنة، وتزكيها الإرادة الملكية السامية التي جعلت من النهوض بأوضاع النساء وإدماجهن في مواقع القرار حجر الزاوية في بناء المفهوم الجديد للسلطة وتثبيت أركان الدولة الحديثة.
لقد برهنت تجربة السنوات الأخيرة على أن النساء هن الأكثر التصاقاً بانشغالات الشارع والأقدر على ملامسة التفاصيل الدقيقة للأزمات الاجتماعية والاقتراب من تطلعات المواطنين اليومية. وفي هذا السياق، تكتسي قراءة الاستحقاقات السياسية أبعاداً غير مسبوقة في ظل الصعود البارز لنخب نسائية أثبتن جدارة كبرى في تدبير الملفات المعقدة وقيادة المؤسسات الدستورية بكفاءة وحزم. ومن أبرز هذه النماذج القيادية تبرز فاطمة الزهراء المنصوري، التي اختزلت بمسارها المتنوع بين المحاماة وتدبير الشأن المحلي بعمدة مراكش ثم قيادة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، صورة المرأة القادرة على الجمع بين الجرأة السياسية والرزانة التنفيذية، وصولاً إلى قيادتها الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة وتموقعه في صدارة المشهد الحزبي والنيابي.
إن هذا المسار يضع المغرب أمام لحظة فارقة تتجلى في الامتداد الطبيعي لأحكام الفصل 47 من الدستور، والذي يربط شرعية التكليف برئاسة الحكومة بالخيار الديمقراطي وصندوق الاقتراع. فعندما يتصدر الحزب النتائج الانتخابية، يصبح العرف والدستور موجهين لنقل هذه القيادة الحزبية النسائية إلى واجهة التكليف الملكي السامي لتشكيل الحكومة، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام سابقة تاريخية تجعل من المملكة المغربية نموذجاً ريادياً ومقداماً في العالم العربي والإسلامي بمنح المرأة مقود السفينة التنفيذية. إن هذا التحول المرتقب لا يقف عند حدود التقدير السياسي للقيادات النسائية، بل يجسد نضج التجربة الحزبية الوطنية وقدرتها على إنتاج قيادات مؤهلة للتجاوز الواقعي للممارسات التقليدية التي ظلت تطبع المشهد الحزبي لسنوات طويلة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا المنجز لا تكمن فقط في البعد الرمزي لتولي امرأة منصب رئاسة الحكومة، بل تمتد إلى عمق المشروع المجتمعي الذي راكمه المغرب منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين. فمنذ خطط مدونة الأسرة والتمكين السياسي والاقتصادي، تحولت استراتيجية المملكة من مجرد الانفتاح التدريجي إلى اقتحام كل الميادين التي كانت حكراً على الرجال، بدءاً من الحقل الديني عبر إدماج المرشدات وإتاحة العضوية بأكاديمية المملكة، وصولاً إلى سلك القضاء، والإدارة الترابية من خلال القياد والعاملات، فضلاً عن المناصب السامية في السلك الدبلوماسي والأجهزة الأمنية والعسكرية. كل هذه المكتسبات جعلت من وصول امرأة إلى سدة الحكومة محطة منطقية لتتويج هذا البناء التراكمي وتتويج نضالات أجيال من المغربيات اللاتي شاركن في الكفاح الوطني وضمنّ استقرار الوطن وتنميته.
إن التحدي الأساسي الذي يواجه التكليف المرتقب وقيادة المرحلة المقبلة يتجاوز مجرد كسر السقف الزجاجي للسياسة الوطنية، ليتصل بالقدرة على ترجمة هذا التحول السياسي إلى قرارات ملموسة تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. إن الطبقة السياسية مطالبة اليوم بتقديم إجابات حاسمة حول ملفات التشغيل، والعدالة الاجتماعية، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، وهي تحديات تقتضي رؤية تنموية تتجاوز التدبير المكتبي الحذر إلى العمل الميداني الناجع. وهنا تظهر أهمية اللمسة القيادية النسائية التي أثبتت التجربة قدرتها على الدفع بملفات الإدماج والعدالة المجالية إلى صدارة الأولويات، بما يضمن استثمار الطاقات البشرية للمملكة التي يشكل نصفها العنصر النسوي.
المغرب اليوم على أعتاب مرحلة جيلية جديدة من الممارسة السياسية، تتداخل فيها مبادئ الاستحقاق الانتخابي بالمرجعية الدستورية الراسخة والرؤية الاستشرافية للمؤسسة الملكية. وإن تحقق هذا السيناريو التاريخي بتولي المنصوري رئاسة الحكومة الجديدة لن يكون مجرد انتصار شخصي أو حزبي، بل سيكون إعلاناً صريحاً عن دخول الدولة المغربية عصر نضج تنموي وسياسي يجعل من الكفاءة والمواطنة المعيارين الوحيدين لتسنم أعلى المسؤوليات، ليبقى الرهان الأكبر هو نجاح هذه التجربة في تقديم نموذج حكامة متجدد يعكس طموحات الشارع المغربي ويصنع الفارق في معركة البناء الديمقراطي والاقتصادي للبلاد.

المصطفى بلقطيبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!