في الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، يستعيد المغاربة واحدة من أعظم المحطات في تاريخهم الوطني الحديث؛ تلك الملحمة السلمية التي قادها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، وجسدت أسمى صور التلاحم بين العرش والشعب، في مسيرة تاريخية عنوانها الإيمان بالوطن، والتشبث بالوحدة الترابية، والإصرار على استكمال الاستقلال واسترجاع الأقاليم الجنوبية. لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث عابر في سجل الذاكرة الوطنية، بل كانت تعبيراً عن عبقرية سياسية وتاريخية، استطاعت أن تحول الإرادة الشعبية إلى قوة سلمية ، وأن تجعل من التعبئة الوطنية الجماعية أداة لتحقيق هدف استراتيجي ظل يسكن وجدان المغاربة. ومنذ ذلك التاريخ، ظلت هذه الملحمة مرجعاً وطنياً تتوارثه الأجيال، بما تحمله من قيم الوفاء والتضحية والتضامن والإجماع حول الثوابت الوطنية. وبعد واحد وخمسين عاماً، لم تعد استعادة هذه الذكرى تقتصر على استحضار أمجاد الماضي، بل أصبحت مناسبة للتأمل في التحولات العميقة التي عرفتها القضية الوطنية، واستشراف الآفاق التي تفتحها المرحلة الراهنة، خاصة في ضوء المستجدات الأممية والدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، يبرز سؤال «مغرب ما بعد انتهاء مهام بعثة المينورسو» باعتباره مدخلاً للتفكير في طبيعة المرحلة المقبلة، وما تفرضه من رهانات سياسية واستراتيجية وتنموية وإعلامية. فالموضوع لا يتعلق فقط بمستقبل بعثة أممية أو بتطور آليات تدبير النزاع، وإنما يتجاوز ذلك إلى التفكير في كيفية الانتقال من مرحلة الدفاع عن المكتسبات إلى مرحلة تعزيزها وترجمتها إلى واقع مؤسساتي وتنموي أكثر رسوخاً. لقد شهدت القضية الوطنية خلال السنوات الأخيرة تحولات مهمة على مستوى المواقف الدولية، وتعزز حضور مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها أساساً لحل سياسي واقعي وعملي، في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة. كما أعادت المستجدات الأممية الأخيرة، وما أعقبها من تحركات ملكية، طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، والآليات الكفيلة بمواكبة التحولات الدبلوماسية والسياسية. غير أن مغرب ما بعد المينورسو لا ينبغي أن يُختزل في قراءة سياسية أو دبلوماسية ضيقة، بل يتعين النظر إليه باعتباره أفقاً وطنياً شاملاً، يستدعي استثمار المكتسبات في بناء نموذج تنموي متكامل بالأقاليم الجنوبية، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والاستثمارية، وتثمين مؤهلاتها البحرية والطاقية واللوجستية، وترسيخ موقعها كبوابة استراتيجية للمملكة نحو عمقها الإفريقي. كما أن المرحلة المقبلة تقتضي تعزيز المشاركة المواطنة، وتقوية المؤسسات، وتوسيع فضاءات الحوار، وجعل المواطن في صلب السياسات العمومية، بما يضمن أن تكون التنمية ثمرة مشاركة جماعية، وأن تتحول الوحدة الترابية إلى مشروع مجتمعي متجدد، تتقاطع فيه المسؤولية السياسية مع الالتزام الوطني والإنجاز التنموي. ولا يقل البعد الإعلامي والثقافي أهمية عن بقية الأبعاد؛ إذ أصبح من الضروري الانتقال من مجرد الدفاع عن القضية الوطنية إلى صناعة سردية مغربية متكاملة، تستند إلى المعرفة والتاريخ والوثائق والحجة، وتستثمر أدوات الإعلام الرقمي والتواصل الحديث لمخاطبة الرأي العام الدولي، وتحصين الأجيال الصاعدة من التضليل والمعلومات الزائفة. إن الربط بين ذكرى المسيرة الخضراء وسؤال مغرب ما بعد المينورسو يحمل في جوهره دلالة عميقة: فإذا كانت مسيرة الفتح الحسني المبين قد جسدت ملحمة استرجاع الأرض وتأكيد الارتباط التاريخي والوجداني بين الصحراء ووطنها الأم، فإن المرحلة المقبلة تستدعي ملحمة أخرى، قوامها البناء والتنمية والابتكار وتكافؤ الفرص، وترسيخ مكانة المغرب كفاعل إقليمي ودولي وازن. ومن هنا، فإن الاحتفاء بالذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء ينبغي أن يكون مناسبة للانتقال من استحضار الذاكرة إلى استلهام دروسها، ومن الاعتزاز بالماضي إلى تحمل مسؤولية المستقبل. فالأوطان لا تُبنى بالأمجاد وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأمجاد إلى مشاريع وإنجازات ومؤسسات قوية ومجتمع متماسك. إن مغرب ما بعد المينورسو هو، في نهاية المطاف، مغرب الوفاء لروح المسيرة الخضراء، والتمسك بالثوابت الوطنية، والانخراط في رهانات التنمية الشاملة، واستشراف مستقبل تظل فيه الوحدة الترابية أساساً لكل مشروع وطني طموح. فإذا كانت المسيرة الخضراء قد وحّدت المغاربة حول استرجاع الأرض، فإن تحدي المرحلة المقبلة هو توحيد الطاقات والإمكانات من أجل بناء مغرب قوي بوحدته، راسخ بمؤسساته، متقدم بتنميته، ومنفتح على محيطه الإفريقي والدولي.