تشكل الاستحقاقات التشريعية ليوم 23 شتنبر لحظة فارقة ودقيقة في مسار التجربة الديمقراطية والتعددية الحزبية للبلاد، إذ لا تقتصر أهميتها على كونها المحطة الثانية عشرة في سلسلة الانتخابات البرلمانية منذ عهد الاستقلال، بل تتعدى ذلك لتكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المشهد السياسي على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية وإعادة تشكيل الخارطة النيابية وفق إرادة الناخبين. وتأتي هذه الانتخابات لتطوي صفحة ولاية حكومية امتدت لخمس سنوات تحت قيادة التحالف الثلاثي الذي ضم أحرار وأصالة ومعاصرة واستقلال، وهي الفترة التي تلت التحول الدراماتيكي في انتخابات 2021، لتفتح الباب واسعاً أمام تقييم مجتمعي شامل لحصيلة تدبير السياسات العمومية، وبحث مدى قدرة الفاعلين على تقديم إجابات شجاعة للتحديات الراهنة. وقد جرت هذه العملية الانتخابية وسط ترسانة قانونية ومؤسساتية دقيقة تسعى لتكريس خيار الشفافية، تجسدت في تعزيز رقمنة إجراءات الترشيح، ودور النيابة العامة والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في حماية تكافؤ الفرص ونزاهة التنافس، إلى جانب الاعتماد الميداني للمراقبة الوطنية والدولية. غير أن القراءة المتأنية للمعطيات الرسمية، التي كشفت عن مشاركة 28 حزباً ودفع بأكثر من 7200 مرشح للتباري على 395 مقعداً، تعكس في عمقها حدة التنافس على الصعيدين المحلي والجهوي، لا سيما مع الارتفاع الملحوظ في نسبة الترشيحات النسائية، وإن كان المحك الفعلي يبقي مرهوناً بمدى قدرة هذا الحضور المادي والعددي على إحداث تأثير نوعي داخل مراكز القرار وتقديم عروض برامجية متمايزة تُقنع الشارع المغربي. ومع اشتداد وطأة الحملة الانتخابية، أظهر السلوك السياسي تحولاً ملحوظاً؛ إذ تخلت أحزاب الأغلبية الحكومية عن منطق التكتل والانسجام لصالح منافسة شرسة وتبادل للاتهامات بين الشركاء الأقوياء، في محاولة للتنصل من التبعات السياسية للتردي المعيشي وامتصاص الاحتقان، مقابل بروز قوي لقوى المعارضة، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية الذي يعود للمشهد كبديل سياسي يستند إلى قيادته التاريخية ورصيده السابق. وفي ظل غياب استطلاعات رأي دقيقة، تبقى سيناريوهات ما بعد الاقتراع مفتوحة على عدة احتمالات تحليلية؛ بدءاً من سيناريو “الاستمرارية الحكومية” مع احتمال تصدر أحد أقطاب التحالف السابق للنتائج معتمداً على استقطاب الأعيان والوزراء التكنوقراط ذوي الشعبية، مروراً بسيناريو “التغيير من بوابة المعارضة” حال تمكنها من إحراز كتلة نيابية تؤهلها للقيادة، وصولاً إلى سيناريو “الائتلاف الهجين” الذي يفرزه تقارب البرامج وتوزيع المقاعد بشكل يعيد خلط الأوراق بين الأحزاب المتوسطة والأغلبية والمعارضة. إن الرهان الحقيقي لهذه الاستحقاقات يتجاوز مجرد الحسابات العددية وتوزيع الحقائب الوزارية، ليلامس جوهر الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي، خصوصاً في ظل استمرار تحدي العزوف الانتخابي وبروز احتجاجات فئوية وجيلية تعبر عن تطلعات الشباب نحو الفرص والعدالة الاجتماعية. فالبرلمان والحكومة المقبلان سيكونان أمام تركة ثقيلة وملفات استراتيجية مصيرية لا تحتمل التأجيل، تتراوح بين تثبيت الدولة الاجتماعية، ومعالجة معضلات التشغيل والصحة والتعليم، وتنزيل خيار الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وكذا الإعداد للالتزامات الكبرى كاستضافة كأس العالم. وبناءً عليه، تفقد الانتخابات قيمتها الديمقراطية إذا لم تُترجم إلى تمثيل حقيقي يعبر عن الإرادة الشعبية الصريحة التي أعلنت عنها صناديق الاقتراع، للعبور بالبلاد نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والنمو والتنمية المدمجة.