جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

رجل من ذهب // الأستاذ السفير بوغالب العطار..اختراق المعاقل وقوة الدبلوماسية الناعمة

0 94

بقلم: إدريس العاشري **

دَأَبَتِ المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح، في خُططها الإستراتيجية ومسارها الوطني، على ترسيخ ثقافة الاعتراف؛ احتفاءً بالقامات السياسية والدبلوماسية ذات الوزن الثقيل، والتي بَصَمَتْ بجهودها وتضحياتها على تفوق الدبلوماسية الرسمية للمملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نَصَرَهُ الله.

ومن بين هذه الشخصيات الفذة التي تستوجب منا وقفة احترام وإجلال، نجد رجلاً من طينة الكبار، دشن بمساره فصلاً استثنائياً في تاريخ العلاقات الدولية للمملكة؛ إنه الأستاذ الدبلوماسي بوغالب العطار، أول سفير للمملكة المغربية لدى جمهورية كوبا، والاسم البارز بحضوره الوازن والمتميز في محافل وندوات منظمتنا الدولية.

بوغالب العطار: كاريزما المثقف وصانع الجسور الدبلوماسية

ولد الأستاذ بوغالب العطار سنة 1949 بمدينة القصر الكبير، ونشأ في بيئة علمية وثقافية صقلت موهبته وتوجهاته المستقبلية. بدأ مساره المهني أستاذاً للغة الإسبانية، وهو ما مكّنه من امتلاك ناصية لغة وثقافة شبه الجزيرة الإيبيرية وأمريكا اللاتينية، لينتقل بعدها إلى عالم الصحافة والكتابة الفكرية، مكرساً قلمه لبحث وتحليل العلاقات المغربية الإسبانية.

تدرج في مناصب عدة تعكس كفاءته العالية، حيث شغل منصب مستشار للشؤون الخارجية بالسفارة المغربية في مدريد، وتولى الأمانة العامة لجمعية الصحفيين الناطقين بالإسبانية، كما أسس “نادي أصدقاء المغرب في إسبانيا”. وباعتباره عضواً في اتحاد كتاب المغرب والنقابة الوطنية للصحافة المغربية، ألّف وترجم دراسات رصينة شكّلت مراجع أساسية في فهم التقاطعات التاريخية والسياسية بين ضفتي المتوسط.

هذا المزيج الفريد بين “الدبلوماسي المحنك” و”المثقف العضوي” جعل منه نموذجاً لرجال الدولة الذين يخدمون قضايا وطنهم بالفكر الرصين والتحرك الميداني الفعّال، سواء داخل أرض الوطن أو في المحافل الدولية، دفاعاً عن قضيتنا الوطنية الأولى: الوحدة الترابية للمملكة.

تجربة هافانا: اختراق المعاقل التقليدية للخصوم

في عام 2018، حظي الأستاذ بوغالب العطار بالثقة الملكية السامية، حيث عيّنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس سفيراً لدى جمهورية كوبا، تزامناً مع استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وهافانا بعد قطيعة مريرة دامت زهاء 38 سنة.

كانت هافانا تاريخياً تُعد معقلاً كلاسيكياً صلباً لخصوم الوحدة الترابية في منطقة أمريكا الوسطى والكاريبي، لا سيما في عهد آل “كاسترو”. وهنا تجلت حنكة السفير العطار، الذي لم يكن غريباً عن خبايا هذه المنطقة؛ فقد اشتغل سابقاً بجانب القائد المجاهد الراحل الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي خلال عهد حكومة التناوب، ورافقه في زياراته التاريخية لدول أمريكا اللاتينية، مساهماً في كسر الأطروحات الانفصالية وتصحيح المفاهيم.

خلال فترة تواجده في كوبا، نجح العطار في قيادة تحول جوهري عبر تفعيل “الدبلوماسية الفكرية والاقتصادية”، وتمكن باقتدار من اختراق الدوائر السياسية الكوبية، وإقناع الجانب الكوبي بدعم مسار الأمم المتحدة ومقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب كحل عادل ومستدام، توازياً مع فتح آفاق استثمارية وتعاون ثقافي واقتصادي جديد بين البلدين. تكريساً لهذا المسار الدولي المتميز، نال سنة 2021 جائزة “إميليو كاستلار” الإسبانية الشهيرة للدفاع عن الحريات والحوار بين الشعوب، فضلاً عن تكريمات محلية ووطنية رفيعة.

محطات من العمل المشترك: الدبلوماسية الموازية كقوة ناعمة

من موقعي كخبير في الاقتصاد السياسي وكاتب عام للمنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح، شرفت بمشاركة الأستاذ بوغالب العطار في عدة لقاءات ركزت على إبراز مفهوم “القوة الناعمة” في خدمة الأمن الاقتصادي والدفاع عن مغربية الصحراء. وسنقف هنا عند محطتين بارزتين حظيتا بمتابعة إعلامية واسعة:

أولاً: ندوة “دينامية جديدة بين المملكتين المغربية والإسبانية” (ماي 2022)

في إطار أنشطتها الترافعية، نظمت المنظمة لقاءً مفتوحاً بتاريخ 14 ماي 2022 بالمركز الثقافي عبد الله كنون بعين الشق، تحت عنوان “دينامية جديدة بين المملكتين المغربية والإسبانية نحو المستقبل”. شهد اللقاء حضوراً لافتاً لمستشاري المقاطعة وفعاليات المجتمع المدني.

  • افتتح اللقاء السيد المصطفى بلقطيبية، رئيس المنظمة، بكلمة تأطيرية حول أدوار الدبلوماسية الموازية.

  • تلتها مداخلات علمية: قدم فيها الأستاذ سعيد لكرين قراءة في البعد الإستراتيجي والسياسة الشرعية، وقدمتُ من جانبي قراءة في آفاق العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا بعد الانفراج الدبلوماسي، بينما تناول الدكتور عبد الجليل جودات العلاقات العلمية والتاريخية بين البلدين.

  • ورغم أن ظروفاً خاصة غيّبت الأستاذ العطار عن الحضور الجسدي في ذلك اليوم، إلا أن روحه الدبلوماسية وتجربته السابقة بمدريد وهافانا كانت الحاضر الأكبر في نقاشات الحاضرين الذين أشادوا بدوره المحوري في توطيد هذه العلاقات الثنائية.

ثانياً: ندوة التكريم الكبرى ومئوية الوفاء (يوليوز 2023)

بتاريخ 26 يوليوز 2023، وبذات المركز الثقافي (عبد الله كنون)، عاشت المنظمة يوماً مشهوداً وهي تنظم ندوة دولية كبرى بعنوان: “الدبلوماسية الموازية قوة ناعمة لتطوير العلاقات الدولية”. تزامن هذا الحفل الفخم مع احتفالات الشعب المغربي بـ عيد العرش المجيد، واستهل بآيات بينات من الذكر الحكيم، تلتها شهادات مؤثرة تجدد الولاء العهد للجالس على العرش جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

تميزت هذه الندوة بنقاشات عميقة حول الأمن الاقتصادي، والعلاقات المغربية العربية، والعلاقات المغربية الإسرائيلية، وكذا البعد الروحي للمملكة داخل القارة الإفريقية. وكان الحدث الأبرز في هذا المحفل هو تكريم الأستاذ السفير بوغالب العطار، بحضور كوكبة من رجالات الدولة والأساتذة الأجلاء والدبلوماسيين، وعلى رأسهم: رئيس المنظمة السيد المصطفى بلقطيبية، الدكتور الحسين كوغروض (المدير المسؤول عن التعاون الدولي للشرطة وسفير المنظمة بالمملكة المتحدة)، الأستاذ خالد الأزرق (السفير المتنقل)، الأستاذة نعيمة شعيب محامية بالدارالبيضاء، الأستاذة لطيفة المصباحي، الدكتورة حنان العيسي (منسقة العلاقات بالمنظمة)واستاذة بجامعة القاضي عياض، الدكتورة شهيدة الإدريسي، الدكتور بدر البوشيخي، والأستاذ المهدي العاشري، إلى جانب ثلة من أعضاء مجلس مقاطعة عين الشق ومكاتب المنظمة وطليعة من الإعلاميين.

كان الاحتفاء بالأستاذ بوغالب العطار هو احتفاء بالنموذج الوطني المخلص الذي يجمع بين عمق الفكر، وحرارة القلم، وحنكة الممارسة الدبلوماسية. لقد أثبتت تجربة هذا الرجل أن الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الموازية هما وجهان لعملة واحدة عنوانها الحفاظ على الثوابت الوطنية والدفاع عن المصالح الإستراتيجية للمملكة المغربية.

إن شهادتنا في حق هذا الهرم الدبلوماسي ليست مجرد ثناء عابر، بل هي وثيقة للتاريخ، تخلّد مسار رجل حمل الأمانة الوطنية بكل تجرد وإخلاص، ورفع راية المملكة شامخة في حصون كانت بالأمس القريب مستعصية، فحولها بفضل حنكته الميدانية، والامتثال السديد للتوجيهات الملكية السامية، إلى منابر تشهد بالحق التاريخي للمملكة المغربية على كامل ترابها، من طنجة إلى الكويرة.

**محلل في الاقتصاد السياسي، والكاتب العام للمنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!