مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي: ممر استراتيجي من أجل السلام والتكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة
بقلم: إدريس العاشري
في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي تعرفها القارة الإفريقية، ومعها معظم دول العالم، تتجه أنظار الفاعلين السياسيين والاقتصاديين إلى ما أسفر عنه الاجتماع الأخير لقادة دول غرب إفريقيا، واستقراء انعكاساته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على دول القارة، وامتداداته نحو الفضاء الأوروبي.
وقد شكل يوم 19 يوليوز 2026 محطة تاريخية بارزة، تمثلت في انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس – ECOWAS) بالعاصمة السيراليونية فريتاون، حيث تم التوقيع على الاتفاقية الحكومية الدولية (IGA) المؤطرة لمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب، بما يعكس الانخراط الجماعي للدول الأعضاء في دعم هذا الورش القاري الاستراتيجي، ويمنحه إطاراً قانونياً وسياسياً يعزز مساره نحو التنفيذ.
وفي هذا السياق، وصف رئيس مفوضية “إيكواس”، عمر أليو توراي، المشروع بأنه “أحد أكثر المبادرات تحولاً في تاريخ غرب إفريقيا”، بالنظر إلى دوره في تعزيز التكامل الاقتصادي والربط الإقليمي. كما عبر عدد من رؤساء الدول والوزراء المشاركين، من بينهم ممثلو سيراليون وغانا وليبيريا، عن دعمهم الكامل لهذه المبادرة التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمدو بوهاري، ويواصل الرئيس الحالي بولا أحمد تينوبو دعمها.
الآفاق التمويلية والزمنية للمشروع
أمام هذا الزخم الإقليمي، يبرز التساؤل حول الآفاق التمويلية والزمنية لهذا المشروع الضخم. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن التكلفة الإجمالية للمشروع تقدر بحوالي 25 مليار دولار، بينما يترقب الشركاء صدور قرار الاستثمار النهائي (FID) خلال الربع الأخير من سنة 2026، إيذاناً بالشروع في تعبئة التمويلات الدولية والانطلاق في مرحلة الإنجاز.
ويذكر أن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي أعلن عنه سنة 2016 كمبادرة مشتركة بين جلالة الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمدو بوهاري. غير أن الرؤية الاستراتيجية المتكاملة للمشروع تجلت بوضوح في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين للمسيرة الخضراء، بتاريخ 6 نونبر 2022، حيث منحه جلالة الملك بعداً قارياً وجيوسياسياً يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية الضيقة، ويؤسس لفلسفة تنموية قائمة على التعاون جنوب–جنوب.
وقد حمل ذلك الخطاب الملكي مجموعة من المرتكزات الاستراتيجية التي أصبحت اليوم تتجسد تدريجياً على أرض الواقع.
أولاً: من مشروع ثنائي إلى مشروع قاري
أكد جلالة الملك أن المشروع ليس مجرد اتفاق بين المغرب ونيجيريا، بل هو مشروع من أجل السلام والتكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة لفائدة الأجيال القادمة.
وتجسد قمة فريتاون هذا التصور الاستراتيجي، بعدما أصبح المشروع يحظى بانخراط جماعي لدول غرب إفريقيا، باعتباره رافعة للوحدة الاقتصادية الإقليمية.
ثانياً: التنمية الاقتصادية مدخل للاستقرار
أبرز الخطاب الملكي أن الأنبوب يشكل ركيزة لإقامة سوق إقليمية للطاقة، يستفيد منها أكثر من 440 مليون نسمة.
ولا تقتصر أهمية المشروع على نقل الغاز، بل تمتد إلى تمكين الدول التي يعبرها من الاستفادة منه في إنتاج الكهرباء، وتطوير الصناعات المحلية، خاصة الأسمدة والحديد والصلب، بما يعزز التنمية الاقتصادية ويخلق فرص الشغل.
ثالثاً: إعادة تشكيل الفضاء الأطلسي الإفريقي
يندرج المشروع ضمن رؤية ملكية أشمل تروم جعل الواجهة الأطلسية الإفريقية فضاءً متكاملاً للاستثمار والتبادل الاقتصادي.
فمن خلال هذه البنية التحتية العملاقة، تتحول الدول المطلة على المحيط الأطلسي إلى فاعل اقتصادي مؤثر، بينما يعزز المغرب موقعه كبوابة استراتيجية تربط العمق الإفريقي بالأسواق الأوروبية والدولية.
رابعاً: الإرادة السياسية وضمانات التنفيذ
لا يمكن لمشروع بهذا الحجم أن يرى النور دون إرادة سياسية قوية والتزام مالي مستدام.
وقد أكد جلالة الملك منذ البداية انفتاح المملكة على المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، والتزامها بالمساهمة الفعلية في تمويل المشروع وإنجازه، وهو ما عزز ثقة الشركاء الأفارقة والمؤسسات الدولية، ومكن من استكمال الدراسات التقنية والهندسية، وصولاً إلى محطة فريتاون التي دشنت مرحلة قانونية جديدة في مسار المشروع.
خاتمة
إن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب لم يعد مجرد مشروع لنقل الطاقة، بل أصبح مشروعاً استراتيجياً لإعادة رسم معالم التعاون الإفريقي.
وتشير مختلف المؤشرات الاقتصادية والجيوسياسية إلى أن بلوغه هذه المرحلة المتقدمة يعكس نجاح الرؤية الملكية القائمة على الدبلوماسية التنموية، وترسيخ التعاون جنوب–جنوب، باعتباره خياراً استراتيجياً لتحقيق التنمية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، يشكل المشروع تجسيداً عملياً لقناعة راسخة مفادها أن ثروات إفريقيا ينبغي أن تكون، قبل كل شيء، في خدمة تنمية شعوبها وتعزيز استقرارها، بما يجعل من التكامل الاقتصادي رافعة حقيقية لبناء إفريقيا أكثر ازدهاراً وأمناً.

