جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

عندما يصطدم وهم الماضي بواقع حسن الجوار

0 44

تستوقفنا الأحداث الأخيرة التي شهدتها بعض الساحات الإسبانية، من إقدام عناصر انفصالية مدعومة بأطراف معروفة بمعاداتها للمملكة على سلوكيات طائشة تمثلت في تمزيق العلم الوطني المغربي، لتطرح من جديد أسئلة عميقة حول حدود المسؤولية الأخلاقية والسياسية في التعاطي مع رموز الدول وسيادتها. إن هذا السلوك المستفز لا يمكن تصنيفه إلا ضمن خانة الإفلاس السياسي والعجز الميداني الذي أضحت تعاني منه هذه الأطراف، بعدما ضاقت بها سبل المناورة أمام الانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي تحققها المملكة المغربية في ترسيخ مغربية الصحراء وتأكيد مشروعية حقوقها الترابية.
ولعل الأهم في هذا السياق هو الإدراك الحاسم بأن عهد فرانكو وأساليب الهيمنة القديمة أو اللعب على حبال الخلافات الإقليمية قد ولى إلى غير رجعة. إن إسبانيا اليوم، كدولة مؤسسات وجارة إستراتيجية، ترتبط مع المغرب بشراكة تاريخية متينة ومصالح مصيرية مشتركة تتجاوز هذه التشغيبات الهامشية. ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الانزلاقات يستوجب قدرًا عاليًا من الحكمة ورزانة الكبار؛ فالمغرب، بقوته وتاريخه العريق، لا يستدرجه طيش المتهورين، ولا تنال من شموخ رايته الوطنية تصرفات صبيانية معزولة تحركها أحقاد ضيقة.
إن حفظ أدبيات حسن الجوار واحترام السيادة الوطنية يستدعيان من المؤسسات والرأي العام في البلد الجار التصدير الصارم لمثل هذه الممارسات التي تحاول القوى المعرضة للفشل استغلالها لتعكير صفو العلاقات الثنائية. فالعلم المغربي ليس مجرد قطعة قماش تُحرّكها الأهواء، بل هو رمز لهوية أمة ضاربة في عمق التاريخ، وسفك من أجله الشرفاء دماءهم ليبقى خفاقًا شامخًا. والرد الحقيقي على هذه الاستفزازات يكمن في المضي قدمًا نحو تعزيز مبادئ الاحترام المتبادل، وتغليب المصلحة العليا للشعبين الجارين، والترفع عن مخلفات العهود البائدة، مع التأكيد الثابت على أن سيادة المغرب ووحدته الترابية هما خط أحمر لا يقبل المساومة أو المهادنة.
إن العودة إلى الأصول والتاريخ تظل دائمًا الحاكم الفعلي على مسار القضايا الكبرى، فالأمم العريقة لا تُقاس بلحظات الانفعال أو بالتشويش السياسي الذي يمارسه البعض، بل برسانة مواقفها وثبات رؤيتها.
وفي هذا السياق، تبقى قراءة الخلفيات والجهات التي تحرّك هذه الخيوط من خلف الستار جزءًا من فهم اللعبة الإقليمية والدولية؛ حيث تحاول بعض القوى التقليدية أو التيارات الممتدة في أدبياتها إلى الحقبة الاستعمارية القديمة، استخدام كل الأوراق المتاحة—بما فيها التيارات الإنفصالية—لإرباك التوازن الجديد الذي يفرضه المغرب كدولة ذات سيادة وقرار مستقل.
إن التذكير بالحقائق التاريخية الراسخة يشكل القاعدة الصلبة التي تُبنى عليها مواقف الأمم العريقة؛ فالأرض والذاكرة لا تُسقطان بالتقادم، والتاريخ يشهد على العمق الحضاري للمغرب وامتداده الذي تجاوز جغرافيا اليوم ليشمل المحيط الإقليمي بأسره في حقب إسلامية بارزة، من المرابطين والموحدين إلى السعديين. وما تشهده بعض الساحات في إسبانيا من انزلاقات واستفزازات لا يعدو كونه جهلًا مركّبًا بهذا الامتداد التاريخي، أو محاولة مكشوفة للهروب إلى الأمام من طرف جهات تعيش على أوهام الماضي وتستشعر الحرج أمام التحولات الجيوستراتيجية الجديدة.
إن قضايا الثغور المغربية المحتلة كمدينتي سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما تظل قضايا وطنية عادلة ومحسومة في الوجدان المغربي، ولا يمكن لأي تشغيب هامشي أو سلوك طائش أن يغير من جغرافية التاريخ أو يطمس شواهد العمران والانتماء. وإن من يجهل كيف كانت الأندلس امتدادًا حضاريًا وسياسيًا للدولة المغربية طبيعيٌ أن يسقط في ممارسات صبيانية كتمزيق العلم الوطني أو الاستقواء بكيانات وظيفية، لأن ضعيف الحجة والشرعية يتوسل دائمًا بالأساليب الاستفزازية المعزولة.
المغرب اليوم يخاطب جواره الإقليمي والدولي من موقع القوة والند للند، متسلحًا بوعي شعبي وإجماع وطني صلب، ومُدركًا أن منطق الاستعلاء أو إرث العهود البائدة قد تجاوزه الزمن لصالح واقع جديد تحكمه المصالح المشتركة والاعتراف بالحقوق المشروعة. إن قوة المملكة تكمن في تجذرها التاريخي ووضوح مسارها الإستراتيجي، ومهما حاول المتهورون إثارة الغبار عبر تحركات هشة، فإن الرموز الوطنية والكرامة الترابية تظل أعصى من أن تنال منها مثل هذه الانزلاقات العابرة.
إن الإجماع الوطني الصلب الذي مكن المغرب من استرجاع أقاليمه الجنوبية وتكريس سيادته الميدانية والدبلوماسية عليها، هو نفسه الوعي التاريخي والوجداني الذي يُؤطر نظرة الأمة المغربية إلى مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية والتوابع المحتلة. فالذاكرة المغربية لا تجزئ التاريخ ولا تفرط في جغرافية الوطن، وثوابت الأمة تعامل كافة القضايا الترابية بمنطق الحق المستمر الذي لا يسقط بالتقادم مهما تغيرت الظروف أو طال الزمن.
إن التجربة المغربية الفريدة في استكمال الوحدة الترابية برهنت دائمًا على أن المملكة تعتمد إستراتيجية النفس الطويل، والتحركات الهادئة والمحسوبة، وتعتمد على تحول الموازين وتراكم القوة الاقتصادية والدبلوماسية. وكما كان الرهان على الأقاليم الجنوبية رهانًا خاسرًا بالنسبة للخصوم، فإن منطق الاستعمار المتبقي في الثغور الشمالية يظل نشازًا تاريخيًا وجغرافيًا في عالم اليوم، ومسألة حسمه تسير وفق مسار حضاري وسياسي يفرضه الواقع والتحولات الجيوستراتيجية المتسارعة.
الكرامة المغربية كلٌّ لا يتجزأ، وثقة المغاربة في عدالة قضاياهم وعدم تفريطهم في شبر واحد من ترابهم المقدس -من شماله إلى جنوبه- هي العقيدة الجامعة التي تتوارثها الأجيال. ومهما حاول البعض افتعال المناوشات أو ممارسة التضليل الإعلامي، يظل المغرب دولة أمة ضاربة في التاريخ، تدير معاركها الترابية بحكمة الكبار، وتدرك أن الحقوق المشروعة تُستعاد بالثبات والإرادة الصلبة والعمل المتواصل.
تعتمد المملكة المغربية في مقاربتها لملفي مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين والجزر التابعة لهما على إستراتيجية دبلوماسية وسياسية هادئة، تتسم بالحكمة والتدرج والرؤية طويلة المدى، مع الربط الدائم بين البعد التاريخي والواقع الإقليمي والدولي المتغير.
تواصل الدبلوماسية المغربية التأكيد على أن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ثغور مغربية سليبة، وأن استعادتها مسألة وقت وحق سيادي لا يسقط بالتقادم، مع الحرص على طرح الملف بمنطق الحوار الهادئ والعقلاني بعيداً عن الصدام المباشر. ويعود هذا الخيار الإستراتيجي إلى المبادرة التاريخية التي طرحها المغفور له الملك الحسن الثاني، والتي دعت إلى إنشاء “خلية تفكير مغربية-إسبانية” لبحث ملف المدينتين بروح من التفاهم للوصول إلى حل يضمن السيادة المغربية ويراعي المصالح والروابط الإسبانية، وهو خيار يستند إلى إيجاد صيغ مبتكرة شبيهة بنماذج دولية نجحت في استعادة أراضيها.
كما نهج المغرب في السنوات الأخيرة سياسة حاسمة تمثلت في إغلاق المعابر التجارية ومنع التهريب الملاحي والتجاري الذي كان يستنزف الاقتصاد الوطني ويعطي المدينتين متنفساً مالياً. أدى هذا الإجراء إلى تغيير الموازين الميدانية وجعل كلفة إدارة المدينتين باهظة للغاية بالنسبة للحكومة الإسبانية، مما فرض واقعاً جيو-اقتصادياً جديداً يؤكد التبعية الجغرافية والتاريخية للمحيط المغربي.
وتدرك الدبلوماسية المغربية ترتيب الأولويات الوطنية؛ حيث ركزت المملكة كافة جهودها الإستراتيجية والدبلوماسية لحسم ملف الصحراء المغربية وتكريس السيادة الوطنية عليها. ومع نجاح هذا المسار والاعتراف الدولي الواسع بمغربية الصحراء، تزداد قوة موقف المغرب ومركزيته الإقليمية للتعاطي مع باقي الملفات الترابية من موقع الند والفاعل الرئيسي.
إلى جانب ذلك، يمتلك المغرب أوراق ضغط وإستراتيجيات شراكة متكافئة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، أبرزها التعاون في مجالات مكافحة الهجرة غير النظامية، والتحكم في المعابر البحرية، والتعاون الأمني واستقرار حوض البحر الأبيض المتوسط. تجعل هذه العوامل الطرف الإسباني مدركاً بأن الاستقرار والازدهار في المنطقة ينبعان من الاحترام المتبادل للثوابت الوطنية.
تستند الدبلوماسية المغربية في إدارة هذا الملف الإستراتيجي إلى منطق التراكم وقوة الواقع الحضاري والجغرافي؛ فالغلاف الاستعماري يظل نشازاً تاريخياً في القارة الأفريقية، والمملكة تدير معركتها بثقة، وإرادة صلبة، ونفس طويل يُراهن على التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.

أصداء مغربية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!