تطفو بين الفينة والأخرى على سطح المشهد السياسي الإسباني أطياف حنين نكوصي إلى عهد الجنرال فرانشيسكو فرانكو، في محاولة من بعض التيارات اليمينية المتطرفة لإعادة بعث أدبيات “الفاشية الفرانكاوية” واستدعاء عقيدتها القائمة على القومية المتزمتة، والعداء للآخر، ونبرة الاستعلاء الاستعماري. إن هذا الحنين، وإن كان يبدو في ظاهره استرجاعاً لذكريات تاريخية انقضت، إلا أنه في العمق يعكس أزمة هوية وسياسة لدى أطراف عجزت عن مواكبة التحولات الديمقراطية واستيعاب موازين القوى الجديدة في حوض المتوسط. إن الخطاب الفرانكاوي القديم، الذي يسعى اليمين الراديكالي اليوم لتسويقه كبضاعة انتخابية، يعتمد بالأساس على افتعال المعارك الخارجية والتلويح بأسلوب العقيدة الاستعمارية تجاه دول الجوار الجنوبي، وفي مقدمتها المملكة المغربية. غير أن هذا المنطق البائد يغفل واقعاً جوهرياً؛ وهو أن إسبانيا القرن الحادي والعشرين ليست هي إسبانيا الثلاثينيات أو الأربعينيات، وأن التحديات الجيوسياسية الراهنة لم تعد تحتمل المراهقة السياسية أو الدخول في مغامرات غير محسوبة العواقب. تتجلى الخطورة الناجمة عن إحياء هذا الإرث الفرانكاوي في محاولة تقويض قواعد الدبلوماسية الحديثة القائمة على احترام السيادة والمصالح المتبادلة. إلا أن رزانة المؤسسات والواقعية السياسية تُثبت دائماً أن المصالح الاستراتيجية الكبرى لمدريد—سواء في شقها الاقتصادي أو الأمني أو التنموي—تتقاطع جذرياً مع الحفاظ على شراكة متينة وحسن جوار مسؤول مع المغرب، بعيداً عن أوهام السيطرة والهيمنة التي ولّت إلى غير رجعة. إن الرهان على إعادة إحياء “الروح الفرانكاوية” ليس سوى حرث في البحر وسعي وراء سراب سياسي؛ فالشعوب والدول العريقة تسير إلى الأمام وتُبني مستقبلها على صخرة الواقع والمصالح المشتركة، بينما تتهافت الخطابات المتطرفة على هامش التاريخ، عاجزة عن زحزحة مسار الشراكة الإستراتيجية الرزينة التي تفرضها جغرافيا الجوار ومقتضيات المستقبل.