التراويح للتقرب الى الله لا لجمع الصدقات
لم يعد مستساغًا، ولا مقبولًا شرعًا أو ذوقًا، ذلك المشهد الذي بات يتكرر في عدد من مساجد المغرب خلال ليالي رمضان المباركة: مشهدٌ تتحول فيه لحظة الخشوع في صلاة التراويح إلى استراحة قسرية، تُعلّق فيها الركعات ريثما تنتهي جولات الأكياس والصناديق بين صفوف المصلين. إنّه مشهد سريالي يجرّد العبادة من روحها، ويحوّل المحراب إلى ما يشبه “منصة جباية”، حيث يتداخل صوت الإمام مع وقع الخطوات، وتختلط آيات القرآن بنداءات جمع التبرعات.
بين قدسية المكان وضجيج المادة
المسجد، في وعي المغاربة، ليس مجرد فضاء للصلاة، بل هو بيت الله الذي يُفترض أن يُصان من كل ما يمسّ سكينته. المصلون يفرّون من صخب الدنيا ليجدوا في التراويح ملاذًا للروح، فإذا بهم يُفاجَؤون بعملية “مسح ميداني” لجيوبهم، تُعطّل الإقامة وتُؤجَّل الركعات حتى تمتلئ الأكياس. هذا ليس مجرد جمع للتبرعات، بل هو خدش صريح لحرمة بيوت الله، واعتداء معنوي على خشوع المصلين.
المفارقة المؤسسية
المفارقة الصارخة تكمن في أولويات الوصاية الدينية. ففي الوقت الذي تستنفر فيه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أجهزتها لإصدار دوريات دقيقة حول “هيئة الصلاة”، محذّرة الأئمة من “القبض” وداعيةً إياهم للالتزام بـ”السدل” حفاظًا على خصوصية المذهب، نجد صمتًا مريبًا تجاه هذه الممارسات التي تمسّ جوهر العبادة وكرامة القائمين عليها. ألم يكن حريًّا بالوزارة أن “تقبض” يد العبث عن بيوت الله قبل أن تلاحق وضعية أيدي المصلين؟ أليس من الأجدر أن تُذكّر الأئمة والمؤذنين بأن كرامة الإمامة لا تستقيم مع مطاردة “الصدقات” في لحظة خشوع؟
الأمن الروحي مسؤولية
إن حماية “الأمن الروحي” للمغاربة لا تبدأ من مراقبة الحركات الجسدية في الصلاة، بل من صون قدسية المساجد من التشييئ والتبضيع، ومن توفير العيش الكريم للقائمين على الشأن الديني بما يغنيهم عن مد اليد لجيوب المصلين. فالإمام الذي يُفترض أن يكون قدوة في السمو الروحي، لا ينبغي أن يُزجّ به في مشهد يُشبه التسوّل المقنّع، ولا أن يُحوّل لحظة العبادة إلى سوقٍ للمزايدات.
دعوة إلى الإصلاح ..إننا أمام مسؤولية جماعية
على الوزارة أن تُعيد ترتيب أولوياتها، وأن تُصدر دوريات واضحة تمنع هذه الممارسات، وتُوفّر موارد مالية كافية للمساجد بعيدًا عن جيوب المصلين.
على الأئمة والمؤذنين أن يصونوا كرامة الإمامة، وألا يسمحوا بتحويل المحراب إلى صندوق جباية.
على المجتمع المدني أن يُساهم في دعم المساجد عبر قنوات منظمة وشفافة، لا عبر اقتحام لحظة العبادة.
إن صلاة التراويح ليست مجرد طقس جماعي، بل هي لحظة روحية جامعة، تُعيد للمغاربة شعورهم بالسكينة والطمأنينة. تحويلها إلى مشهد مادي يُفقدها معناها، ويُهدد الأمن الروحي الذي هو أساس وحدة المجتمع. لذلك، فإن صون قدسية المساجد واجبٌ وطني وديني، لا يقلّ أهمية عن حماية الحدود أو الدفاع عن السيادة.
المحراب يجب أن يبقى محرابًا، لا منصة جباية؛
والتراويح يجب أن تبقى صلاةً، لا مزادًا علنيًا.

