جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

رجل من ذهب // فؤاد عالي الهمة ..رجل الظل الذي يصنع حضوره بالغياب المدروس

0 409

في حضرة المشهد السياسي المغربي، يطلّ اسم فؤاد عالي الهمة كرجل الظل وحارس التوازن، الذي يضبط الإيقاع المؤسساتي ويعيد البوصلة إلى المرجعية الملكية كلما اهتزّت المسارات أو انحرفت الحسابات. ليس مجرد مستشار في الدائرة الملكية، بل هو جسر الثقة بين رأس الدولة ومكونات السلط التنفيذية والتشريعية والأمنية، يذكّر الجميع أن الملكية ليست رمزًا فقط، بل مرجعية ناظمة لشؤون الدولة والمجتمع.
وُلد في مدينة بنجرير سنة 1962، وتدرّج في مسار سياسي ودبلوماسي جعله حاضرًا في كل كبيرة وصغيرة من التحولات الوطنية. منذ أن درس في المدرسة المولوية إلى جانب الملك محمد السادس، ارتبط اسمه بالثقة المطلقة والقرب الشخصي من المؤسسة الملكية، ليصبح لاحقًا مستشارًا نافذًا في الديوان الملكي.
من وزارة الداخلية، حيث تولى منصب وزير منتدب بين 1999 و2007، إلى رئاسة مجلس مدينة بنجرير، ارتبط اسمه بالقدرة على الجمع بين المحلي والوطني، بين الإدارة الصارمة والرؤية الاستراتيجية. سنة 2008، أسس حزب الأصالة والمعاصرة، الذي سرعان ما أصبح قوة سياسية كبرى، محققًا فوزًا واسعًا في الانتخابات الجماعية لسنة 2009، قبل أن يستقيل سنة 2011 ليعود إلى موقعه الطبيعي كمستشار للملك.
خلال فترته البرلمانية، أطلق أوراش تشاورية في مدينة بنجرير، جلبت مشاريع هيكلية نوعية تركزت على التنمية المستدامة والتعليم والبحث العلمي. من أبرز هذه المشاريع: جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، والمدينة الخضراء، التي حولت بنجرير إلى قطب تنموي ونموذج يُضرب به المثل في المغرب. لقد جسّد بذلك رؤية استراتيجية تجعل من التنمية المحلية رافعة وطنية، ومن الاستثمار في المعرفة والبيئة أساسًا لبناء المستقبل.
يعمل بمنطق الصرامة الهادئة، متسلحًا بحس أمني عالٍ وفهم عميق لمعادلات الداخل والخارج. شخصيته صلبة، عصية على القراءة، لكنها شديدة الحساسية تجاه الانزلاقات، لا تتسامح مع التراخي، ولا تستعجل في الحكم، بل تتدخل عند اللحظة المفصلية للتصحيح والتقويم. لغته ليست الكلمات وحدها، بل الإشارات الدقيقة التي يلتقطها ويفككها، ويبعث بها إلى من يعنيهم الأمر.
قربه التاريخي من الملك محمد السادس منذ المدرسة المولوية جعله شريكًا في الرؤية وفهم الدولة من الداخل، لا كزميل دراسة فحسب، بل كجزء من النسق الذهني والمرجعي الذي صاغ مسار الحكم الحديث. ورغم مساره الوزاري وتأسيسه لحزب الأصالة والمعاصرة، اختار أن يعود إلى مربع الاستشارة الملكية، متخليًا عن الدور الحزبي المباشر، مرتديًا عباءة الرجل الرمادي الذي لا يُنتخب ولا يُجادل، لكنه يُصغي ويحلّل ويهمس متى اقتضت اللحظة.
نفوذه يمتد إلى المؤسسات الأمنية، حيث يُنظر إليه كـ”مدير الأزمات الهادئ”، يتقن هندسة التوازن بين التحرك الداخلي وإدارة الانطباعات الخارجية، حاضر في واشنطن وباريس ومدريد والخليج وإفريقيا كمبعوث غير رسمي حين تشتدّ الأزمات. فلسفته في الأمن لا تختزل في السلاح والردع، بل في شرعية القرار وتماسك الجبهة الداخلية وتقدير حدود التدخل والصمت.
لا يظهر كثيرًا في المنصات الإعلامية، لكنه حاضر في كل نقطة ارتكاز. لا يصرّح، لكنه يضبط النبرة. لا يلوّح، لكنه يرسم حدود التدخل. إنه الرجل الذي يُراكم تأثيره بالصمت، ويحمي المسار بظلٍّ كثيف، لا يحتاج للضوء ليُرى.
وهكذا، يظل فؤاد عالي الهمة شخصية فذة في تاريخ المغرب المعاصر: رجل الظل الذي يصنع حضوره بالغياب المدروس، ويمنح الدولة استمرارية في الرؤية وثباتًا في التوجه، جامعًا بين القرب الشخصي من الملك، الخبرة الإدارية، والقدرة على صياغة التوازنات الكبرى.

المصطفى بلقطيبية

تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!