جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

“لو لم أكن ملكًا لكنت محاميًا ” .. المحاماة حصن العدالة والديمقراطية

0 570
في خضم النقاش الوطني الدائر حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، وما أثاره من احتجاجات واسعة بين هيئات الدفاع ووزارة العدل، تبرز هذه القضية باعتبارها أكثر من مجرد خلاف حول نصوص قانونية؛ إنها معركة حول جوهر دولة الحق والقانون، وحول استقلالية واحدة من أعرق المهن التي شكلت عبر التاريخ حصنًا للحقوق والحريات.
ولعل ما قاله جلالة الملك الراحل الحسن الثاني: “لو لم أكن ملكًا لكنت محاميًا”، يختزل المكانة الرمزية لهذه المهنة في المغرب، ويؤكد أن الدفاع ليس مجرد وظيفة، بل رسالة دستورية مرتبطة بحماية المواطن وصون العدالة. هذه العبارة الملكية تذكير بأن أي إصلاح يجب أن يحافظ على استقلالية المهنة، ويصون رسالتها، ويعزز دورها في حماية الحقوق، لا أن يُضعفها أو يحد من مكتسباتها التاريخية.
لقد أكد المحامون، من خلال وقفاتهم الوطنية، أن المحاماة ليست مجرد مهنة تقنية، بل رسالة دستورية مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة، وأن أي قانون لا يحمي هذه الرسالة يُعد تراجعًا خطيرًا عن مكتسبات راكمها الجسم المهني عبر سنوات من النضال. وفي المقابل، شددت وزارة العدل على أن البرلمان هو الفضاء الطبيعي للحوار والتعديل، وأن المسار التشريعي لا يمكن تعطيله.
إننا نرى أن هذه القضية تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة مؤسساتنا على التوفيق بين الاستقلالية المهنية والمسؤولية التشريعية، وبين المكتسبات التاريخية والتطلعات المستقبلية. فالمحاماة، بما تحمله من رمزية، ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل هي جزء من صورة المغرب الدولية كدولة تحترم الدستور، وتلتزم بالمعايير الكونية لحقوق الإنسان.
إن الحل لا يكمن في التصعيد وحده، ولا في الإصرار على المواقف، بل في صياغة مقاربة تشاركية جريئة، تُعيد الثقة بين وزارة العدل والجسم المهني، وتضمن أن أي إصلاح للمهنة يحافظ على استقلاليتها ويستجيب لمقتضيات الدستور والمعايير الدولية.
فالمعركة اليوم ليست معركة نصوص، بل معركة قيم ومبادئ، معركة من أجل أن يظل المغرب وفياً لرسالته كدولة الحق والقانون، حيث يكون الدفاع شريكًا أصيلًا في حماية المواطن، وصون العدالة، وتعزيز صورة الوطن في الداخل والخارج.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

17 + = 19
Powered by MathCaptcha

error: Content is protected !!