حكيم زياش هو قصة لاعب مغربي استثنائي، تبدأ من طفولة مليئة بالتحديات وتنتهي بكتابة التاريخ في أكبر المحافل الكروية العالمية. وُلد سنة 1993 في مدينة درونتن الهولندية وسط أسرة مغربية مهاجرة، وفقد والده في سن مبكرة، وهو حدث ترك جرحاً عميقاً في طفولته. لكن كرة القدم كانت بالنسبة له المتنفس الوحيد، حيث وجد فيها وسيلة للتعبير عن ذاته وتجاوز الصعاب. منذ بداياته في فرق الهواة، كان واضحاً أن موهبته استثنائية، لتفتح له أبواب أكاديمية هيرنفين، ومنها انطلق إلى عالم الاحتراف سنة 2012.
مسيرته مع هيرنفين ثم تفينتي كانت بمثابة مرحلة التكوين، قبل أن ينتقل إلى أياكس أمستردام سنة 2016، حيث بلغ ذروة التألق. هناك، أصبح أحد أبرز صانعي الألعاب في أوروبا، وقاد الفريق إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا سنة 2019، بتمريراته الساحرة وتسديداته الدقيقة التي جعلت منه نجماً عالمياً. انتقاله إلى تشيلسي الإنجليزي سنة 2020 كان خطوة نحو العالمية، حيث ساهم في تتويج الفريق بدوري أبطال أوروبا 2021، ليُثبت أنه لاعب قادر على التألق في أصعب المنافسات.
لكن زياش لم يكتف بالنجاح الأوروبي، بل اختار أن يربط مصيره ببلده الأم المغرب، حين قرر سنة 2015 تمثيل “أسود الأطلس” بدلاً من المنتخب الهولندي. هذا القرار كان نقطة تحول في مسيرته، إذ جعله أحد أعمدة المنتخب المغربي، وواحداً من أبرز نجومه في مونديال قطر 2022. في تلك البطولة، كان زياش جزءاً من الملحمة التاريخية التي أوصلت المغرب إلى نصف النهائي، كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، وهو ما جعله يحظى بتكريم ملكي عبر وسام العرش من درجة ضابط.
اليوم، وبعد مسيرة طويلة بين أوروبا وآسيا، يظل حكيم زياش رمزاً للإصرار والموهبة، لاعباً لم يستسلم لظروفه الصعبة في الطفولة، بل جعل منها دافعاً ليصل إلى القمة. قصته ليست فقط عن كرة القدم، بل عن الإرادة التي تحول الألم إلى مجد، وعن لاعب أصبح نموذجاً للشباب المغربي في الداخل والخارج، يثبت أن النجاح ممكن مهما كانت البداية صعبة. إن زياش اليوم ليس مجرد نجم فوق العشب الأخضر، بل هو أيقونة وطنية، يجسد حلم جيل كامل، ويمنح المغاربة شعوراً بالفخر والانتماء كلما لمس الكرة أو صنع لحظة من لحظات المجد.
ومع عودته إلى المغرب عبر بوابة الوداد الرياضي البيضاوي، يكتسب مساره بعداً جديداً، إذ يجمع بين خبرة الاحتراف الأوروبي والروح الوطنية التي تدفعه لدعم كرة القدم المحلية. هذه الخطوة تعكس رغبة في رد الجميل للجماهير المغربية، وفي أن يكون قريباً من الجذور التي شكلت بدايته. وجوده في الوداد يمنح الفريق دفعة قوية، ويمنح اللاعبين الشباب فرصة للاحتكاك بنجم عالمي، ما يساهم في تطوير مستواهم وصقل مواهبهم. كما أن هذه العودة تحمل رمزية كبيرة، فهي تعكس أن النجوم العالميين يمكن أن يكونوا جزءاً من مشروع وطني لتطوير الرياضة، وليس فقط رموزاً للنجاح الفردي.
أما على مستوى المنتخب المغربي، فإن عودة زياش إلى اللعب في المغرب تمنحه فرصة أكبر للبقاء قريباً من الجماهير والبيئة المحلية، وهو ما يعزز ارتباطه بالمنتخب ويزيد من انسجامه مع زملائه. خبرته الأوروبية، إلى جانب حضوره في دوري أبطال إفريقيا مع الوداد، ستجعله أكثر جاهزية للاستحقاقات القادمة، سواء كأس إفريقيا أو كأس العالم. فالمنافسة القارية تمنحه فرصة للاحتكاك بأساليب لعب مختلفة، وتساعده على الحفاظ على لياقته الذهنية والبدنية، وهو ما سينعكس إيجاباً على أداء المنتخب الوطني.
في كأس إفريقيا المقبلة، وجود زياش كلاعب محوري سيمنح المغرب قوة إضافية في خط الوسط والهجوم، خاصة بفضل قدرته على صناعة الفرص وتمريراته الدقيقة التي طالما شكلت فارقاً في المباريات الكبرى. أما في كأس العالم، فإن خبرته الدولية وقيادته داخل الملعب ستجعل منه أحد الأعمدة الأساسية التي يعتمد عليها المدرب في مواجهة المنتخبات العالمية. زياش يجسد اليوم الرابط بين الاحتراف الأوروبي والروح الوطنية، وبين النجومية الفردية والمشروع الجماعي، ما يمنح المغرب فرصة أكبر لتحقيق نتائج مشرفة في الاستحقاقات القادمة
وإذا نظرنا إلى المستقبل، فإن تجربة زياش يمكن أن تتحول إلى مصدر إلهام عملي لتطوير كرة القدم المغربية. فبفضل خبرته في أكبر الدوريات الأوروبية، يمكنه أن يساهم في إنشاء أكاديميات لتكوين المواهب، أو دعم برامج لتأهيل اللاعبين الشباب، مما يمنح المغرب قاعدة صلبة لبناء جيل جديد من النجوم. كما أن حضوره الدولي يمنحه القدرة على أن يكون جسراً بين كرة القدم المغربية والعالمية، سواء عبر نقل التجارب أو فتح آفاق جديدة للتعاون الرياضي. بهذا المعنى، فإن قصة زياش ليست فقط عن الماضي والحاضر، بل هي أيضاً عن المستقبل، وعن إمكانية أن يتحول من نجم فوق العشب إلى قائد في تطوير كرة القدم المغربية، ليظل اسمه مرتبطاً بالإنجازات والرمزية الوطنية لعقود قادمة.