لقد أضحى ضعف الأحزاب التقليدية في المغرب حقيقة لا يمكن إنكارها، إذ لم تستطع منذ عقود أن تقدم برامج طموحة أو أن تؤطر المواطنين بما يوازي تطلعاتهم. كثير منها تحول إلى كيانات موسمية، تتحرك فقط في زمن الانتخابات وتغيب عن المجتمع في باقي الفترات، مما أفقدها الثقة الشعبية وأضعف حضورها في المشهد السياسي الوطني. هذه الوضعية تطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى استمرار نفس النخب في قيادة البلاد، في وقت تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. في المقابل، يبرز مطلب إعطاء الفرصة للشباب كخيار استراتيجي لإنعاش الحياة السياسية وتجديد دمائها. فالشباب المغربي اليوم يمتلك أدوات جديدة: وعي رقمي، انفتاح عالمي، وحس اجتماعي واقتصادي أكثر التصاقًا بالواقع. إشراكهم في القيادة لا يعني فقط تجديد الوجوه، بل تجديد الفكر السياسي نفسه، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام التنمية والديمقراطية. إن المغرب الذي نجح في تنظيم كأس أمم إفريقيا وأثبت قدرته على تحويل حدث رياضي إلى رافعة اجتماعية واقتصادية وسياحية، يحتاج أيضًا إلى أن ينجح في تنظيم مشهده السياسي عبر تمكين الشباب من صياغة برامج طويلة الأمد، بدل الاكتفاء بأحزاب تقليدية فقدت بريقها. فالتحدي اليوم ليس في كثرة الأحزاب، بل في قدرتها على تقديم مشروع وطني جامع يقوده جيل جديد بروح المسؤولية والطموح. بهذا، يقف المغرب أمام لحظة تجديد سياسي فارقة، حيث يصبح صعود الشباب ضرورة وطنية، لا مجرد خيار، من أجل بناء مستقبل يليق بتاريخ المملكة وطموحات شعبها. المغرب يضم اليوم أكثر من 30 حزبًا سياسيًا معترفًا به رسميًا، تتوزع بين أحزاب تاريخية مثل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأخرى حديثة ظهرت في العقدين الأخيرين، إضافة إلى مبادرات جديدة مثل حزب “التضامن الشعبي” الذي أُعلن عن ملف تأسيسه قبيل انتخابات 2026. لكن الإشكال الذي يطرحه كثير من الباحثين والمواطنين ليس في العدد، بل في الفعالية: معظم الأحزاب لم تقدّم برامج تنموية طويلة الأمد، واكتفت بالشعارات العامة. النشاط الحزبي ظلّ موسميًا، يطفو في زمن الانتخابات ويخفت بعدها. هذا السلوك جعل المواطنين يرون أن الهدف الأساسي للأحزاب هو التنافس على المناصب والجلوس على الكرسي، بدل خدمة المجتمع. النتيجة كانت ضعف الثقة الشعبية واتساع الهوة بين المواطن وهذه التنظيمات. في المقابل، تقوم الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى على نظام ثنائي واضح، حيث يتناوب الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري على السلطة منذ أكثر من قرن. ورغم اختلاف توجهاتهما، فإنهما يقدمان رؤى متمايزة حول مستقبل البلاد، مما يمنح الناخب الأمريكي وضوحًا في الاختيار ويجعل المنافسة السياسية ذات معنى. هذه المقارنة تكشف أن الإشكال في المغرب ليس في العدد، بل في الكيف. فالمغرب لا يحتاج إلى المزيد من الأحزاب بقدر ما يحتاج إلى تجديد سياسي عميق يقوده الشباب، جيل يمتلك وعيًا جديدًا وأدوات رقمية وانفتاحًا عالميًا، قادر على صياغة برامج تنموية طويلة الأمد تعيد الثقة وتفتح آفاقًا جديدة أمام المجتمع.