جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

بين الرباط وكينشاسا… قصة المغرب مع شهيد إفريقيا

0 1٬330

في سجل التاريخ الإفريقي، يظل اسم باتريس لومومبا رمزًا خالدًا للتحرر والكرامة. لم يكن مجرد رئيس وزراء للكونغو الديمقراطية، بل كان صوتًا صادقًا للشعوب الإفريقية وهي تنتزع استقلالها من براثن الاستعمار. اغتياله الوحشي في يناير 1961 على يد الاستعمار البلجيكي وحلفائه، بعد تعذيب وإعدام وإخفاء جثته، لم يطفئ نوره، بل جعله أيقونة أبدية في وجدان القارة.

المغرب ولومومبا: لقاء التحرر والرمزية

منذ استقلاله، جعل المغرب من نفسه بيتًا للحرية الإفريقية. ففي سنة 1960، استقبل جلالة الملك محمد الخامس الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، في لحظة تاريخية جسدت وحدة المصير بين المغرب والكونغو. لم يكن الاستقبال بروتوكوليًا فحسب، بل كان تكريمًا لزعيم شاب حمل حلم الاستقلال، ورسالة أن المغرب يقف إلى جانب إفريقيا في معركة التحرر. بعد أشهر قليلة، حين اعتلى جلالة الملك الحسن الثاني العرش، واصل النهج ذاته، فاستقبل لومومبا ليؤكد أن دعم المغرب لحركات التحرر الإفريقية ليس موقفًا ظرفيًا، بل سياسة دولة راسخة. بهذا الاستقبال، أصبح المغرب جزءًا من السيرة الرمزية للومومبا، الذي اغتيل لاحقًا لكنه ظل حيًا في ذاكرة الشعوب.

السنوسي والطائرة المغربية: مشاركة عملية في التحرر

لم يقتصر التكريم على الاستقبال الملكي، بل امتد إلى مشاركة عملية. حين رفض الطاقم الروسي نقل لومومبا بعد تصريحاته المناهضة للإمبريالية، أمر محمد الخامس بتخصيص طائرة مغربية له، وكلف السفير أحمد السنوسي بمرافقته. تحولت هذه الطائرة إلى وسيلة لنشر رسالته عبر القارة، حيث قام بجولة شملت 11 دولة إفريقية خلال 17 يومًا، والسنوسي شاهد حيّ على تلك المرحلة، يوقع فواتير الوقود ويُقدَّم في كل بلد كعضو في فريق لومومبا. هكذا أصبح المغرب شريكًا مباشرًا في مسيرة التحرر الإفريقي، ليس بالرمزية فقط بل بالفعل الميداني.

تكريم بالطابع البريدي

بعد اغتياله، واصل المغرب تخليد ذكرى لومومبا عبر إصدار طابع بريدي يحمل صورته، ليجعل من اسمه جزءًا من التداول اليومي، وليؤكد أن المملكة تعتبره شهيدًا للتحرر الإفريقي. كان ذلك اعترافًا رسميًا وذاكرة شعبية، ورسالة قارية أن إرث لومومبا سيظل حاضرًا رغم محاولات الاستعمار لمحو أثره.

بين الكونغو والجزائر: رمزية المدرجات

في مباراة الكونغو والجزائر بكأس أمم إفريقيا 2025، ظهر مشجع كونغولي متقمصًا صورة الزعيم الشهيد باتريس لومومبا، ليُلقب بـ”لومومبا الملاعب”. المشهد الذي كان يفترض أن يكون احتفاليًا بالذاكرة الإفريقية تحول إلى جدل واسع بعد تصرفات غير أخلاقية من لاعبي الجزائر، خصوصًا عمورة وبغداد بونجاح، تجاه هذا المشجع. الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت الواقعة انتشرت بسرعة وأثارت موجة غضب واستنكار عالمي، حيث اعتبرت وسائل الإعلام الإفريقية والدولية أن ما حدث إساءة لرمزية لومومبا الذي يمثل شهيد التحرر الإفريقي. دموع المشجع الكونغولي في المدرجات تحولت إلى رمز جديد للتعاطف الجماهيري، فيما عبّر آلاف المتابعين عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن تضامنهم معه، مؤكدين أن إفريقيا لا تنسى رموزها. 

الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بادرت إلى تكريم هذا المشجع، في رسالة واضحة أن المغرب لا يكتفي بتنظيم المباريات، بل يحتضن الرموز الإنسانية والثقافية التي ترافقها. هذا التكريم جاء ليعكس روح التضامن المغربية، ويعيد الاعتبار لرمزية لومومبا كشهيد للتحرر الإفريقي، وليؤكد أن المدرجات يمكن أن تكون امتدادًا لذاكرة القارة ووحدتها.

الخطوة المغربية لاقت ترحيبًا واسعًا في الإعلام والجماهير، حيث اعتُبرت تكريمًا ليس فقط لشخص المشجع، بل للرمزية التي حملها، وللتاريخ المشترك بين المغرب والكونغو منذ استقبال محمد الخامس والحسن الثاني للومومبا، مرورًا بالطابع البريدي الذي خلد صورته، وصولًا إلى الطائرة المغربية التي رافقته في جولاته الإفريقية.

بهذا التكريم، يظهر المغرب مرة أخرى كفاعل قاري، يجمع بين الرياضة والدبلوماسية والذاكرة، ويؤكد أن إفريقيا واحدة وأن رموزها لا تُنسى.

هكذا، بين قصور الرباط ومدرجات الرباط، يتجدد حضور لومومبا. المغرب الذي كرّمه محمد الخامس والحسن الثاني، والذي رافقه السنوسي عبر طائرة مغربية، والذي أصدر طابعًا بريديًا يحمل صورته، هو ذاته الذي يشارك اليوم في كتابة ذاكرة إفريقيا عبر الرياضة والدبلوماسية والثقافة. إنها رسالة أن إفريقيا واحدة، وأن المغرب سيظل جسرًا بين الماضي والحاضر، بين التحرر والكرامة، بين الدمعة والابتسامة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!