بينما كانت أنظار إفريقيا والعالم مشدودة إلى المغرب، مأخوذةً بقدرة تنظيمية أبهرت القارة وأثبتت صلابة البنية التحتية تحت أقسى الظروف، اختارت صحيفة Les Échos أن تُحوّل هذا النجاح إلى مادة للتهكم، متجاهلةً جوهر الإنجاز، ومنزلقةً إلى خطابٍ يفتقد المهنية ويعكس أزمة منظور أكثر مما يعكس حقيقة الحدث.
المقال الذي تناول حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن لم يكن تحليلًا سياسيًا رصينًا، بل أقرب إلى كاريكاتورٍ يخلط بين الخبر والرأي، وبين التحليل والتهكم. هذا الانزلاق لا يعبّر عن حرية صحافة، بل عن عجز في استيعاب أن دولة من الجنوب قادرة على النجاح بثقة وسيادة، بعيدًا عن أي وصاية.
الأخطر من ذلك هو التلميح غير المسؤول إلى الوضع الصحي لجلالة الملك محمد السادس. هنا لم تعد المسألة اختلافًا في زاوية نظر، بل مساسًا صريحًا بأعراف الصحافة الدولية التي تحظر تحويل الصحة الشخصية لرؤساء الدول إلى مادة للغمز الإعلامي. المفارقة أن هذه “الجرأة” تختفي تمامًا عندما يتعلق الأمر بقادة غربيين، حيث يسود الصمت والاحترام.
لقد أصبحت المملكة المغربية اليوم دولة ذات مصداقية عبر العالم، تُحترم في المحافل الدولية وتُقدَّر في شراكاتها الاستراتيجية، بفضل استقرار مؤسساتها ونجاحاتها المتكررة في مختلف المجالات. في المقابل، يبدو الإعلام الفرنسي، كما جسّدته صحيفة Les Échos، مرتبكًا وتائهًا، يخلط بين التحليل والتهكم، ويستبدل المهنية بالاستعلاء، وكأنه عاجز عن تقبّل أن نموذجًا سياديًا من الجنوب قادر على النجاح دون وصاية أو تصفيق خارجي.
أما محاولة اختزال حضور ولي العهد في “بحث عن الشعبية”، فهي قراءة سطحية تكشف جهلًا بالواقع الدستوري المغربي. ولي العهد لا يتحرك بمنطق الحملات أو الاستعراض، بل يؤدي مهامًا رسمية تندرج ضمن استمرارية الدولة، وهو ما يشكل عنصر طمأنينة واستقرار في الثقافة السياسية المغربية.
لم يخسر المغرب شيئًا. التنظيم نجح، البنية التحتية صمدت، وصورة الدولة ازدادت وضوحًا ومصداقيةً. الخاسر الحقيقي هو الخطاب الصحفي الفرنسي الذي فوّت على نفسه فرصة الارتقاء إلى مستوى الحدث، وفضّل الانحدار إلى مستوى السخرية. إن المغرب لا ينتظر شهادة حسن سلوك من أحد، لكنه يطالب بما هو أبسط وأوضح: الاحترام. احترام المؤسسات، احترام الرموز، واحترام ذكاء القرّاء. وما دون ذلك، يبقى مجرد ضجيج لا يغيّر في الحقائق شيئًا.
المصطفى بلقطيبية


