جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

بين الإعلام والسياسة.. حين يضيع النقاش في زحمة الشتائم

0 1٬098
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الخطابات، يصبح الإعلام والسياسة في المغرب وجهين لعملة واحدة في خدمة النقاش العمومي. غير أن هذا التداخل، حين ينحرف عن مساره الطبيعي، يتحول إلى ساحة صراع لفظي، حيث تضيع الحقائق وسط زحمة الشتائم، ويُستبدل الحوار الديمقراطي بالاتهامات المتبادلة.
الإعلام بين النقد والتهجم
الصحافة، بما هي سلطة رابعة، وُجدت لتنوير الرأي العام، ومساءلة الفاعلين السياسيين، وتقديم الحقائق في سياقها الكامل. لكن حين تتحول المقالات إلى منصات للتجريح الشخصي أو لتصفية الحسابات، فإنها تفقد رسالتها الجوهرية وتُضعف ثقة المواطن بها. النقد السياسي مشروع، بل ضروري، لكنه يفقد قيمته حين يُقدَّم في قالب هجومي يفتقر إلى الحجة والبرهان.
السياسة بين الحق في الرد والانزلاق في الخطاب
من جهة أخرى، يملك السياسيون الحق الدستوري في الرد على الإعلام، بل وفي نقده حين يخلّ بمهامه. غير أن هذا الحق لا ينبغي أن ينحدر إلى مستوى الشتائم أو الاتهامات المجردة، لأن الكلمة السياسية مسؤولة أمام الشعب، وهي جزء من النقاش الديمقراطي الذي يجب أن يبقى في إطار الاحترام المتبادل.
المفارقة الكبرى
المفارقة التي نعيشها اليوم هي أن الإعلام، حين ينتقد، يُتهم بالتحامل، والسياسي، حين يرد، يُتهم بالمساس بحرية الصحافة. وبين هذا وذاك، يضيع النقاش الحقيقي حول القضايا الجوهرية: الشفافية، الحوكمة، العدالة الاجتماعية، واستقلالية المؤسسات. الشتائم لا تُنتج حلولًا، بل تُعمّق الهوة بين المواطن ومؤسساته، وتُحوّل النقاش العمومي إلى مسرح للفرجة بدل أن يكون فضاءً للتفكير.
مسؤولية مشتركة
إن مسؤولية الكلمة تقع على عاتق الطرفين معًا: الإعلام مطالب بالصرامة والإنصاف، والسياسي مطالب بالوضوح والاحترام. كلاهما شريك في بناء الديمقراطية، وكلاهما مسؤول أمام التاريخ. فحرية الصحافة لا تعني غياب النقد الذاتي، والحق في الرد لا يعني الانزلاق في خطاب شعبوي أو هجومي.
فحين يضيع النقاش في زحمة الشتائم، يخسر الجميع: الإعلام يفقد مصداقيته، والسياسة تفقد هيبتها، والمواطن يفقد ثقته في المؤسسات. المطلوب اليوم ليس البحث عن “من الأصح”، بل استعادة روح النقاش الرصين، حيث تُبنى المواقف على الحقائق، وتُمارس الحرية بمسؤولية، ويُصان الاحترام المتبادل كشرط أساسي لأي ديمقراطية حقيقية.
تعليقات
Loading...
error: Content is protected !!