جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

دبلوماسية المسيرة الخضراء في تحرير الصحراء المغربية

0 2٬091

ألقيت هذه المداخلة ضمن ندوة وطنية نظمتها المنظمة الدولية للدبلوماسية الموازية والإعلام والتسامح بشراكة مع المعهد التقنيين المتخصصين في الفلاحة بالعيون، بحضور شخصيات وازنة من مختلف المشارب، من بينها رئيس حزب فرنسي، وفعاليات مدنية ودبلوماسية. كانت المناسبة فرصة لتجديد العهد مع الذاكرة الوطنية، وتأكيد البعد الدبلوماسي للمسيرة الخضراء كرافعة للوحدة والتنمية.

كنت من بين المتطوعين الذين لبوا نداء الوطن في السادس من نونبر 1975، أحمل العلم الوطني في يدي، واليقين في قلبي. لم تكن المسيرة مجرد خطوة نحو الأرض، بل كانت مسيرة نحو الذات، نحو المعنى الحقيقي للمواطنة. رأيت في عيون رفاقي نوراً لا يُطفأ، وإيماناً لا يهزم. واليوم، بعد خمسين عاماً، أستعيد تلك اللحظة، لا كذكرى فقط، بل كوصية للأجيال القادمة: أن حب الوطن فعل، وأن الوحدة خيار لا رجعة فيه.

لقد كانت المسيرة الخضراء فكرة عبقرية أطلقها جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في لحظة دقيقة من تاريخ الأمة، حيث اختار طريق السلم بدل المواجهة، وأعلن للعالم أن المغرب يستعيد أرضه بالقرآن والعلم، لا بالسلاح. فالمسيرة لم تكن فقط حسبية، بل كانت محمدية في جوهرها، تستمد روحها من قيم الإسلام، ومن بيعة الأمة للعرش العلوي، ومن الإيمان العميق بعدالة القضية.

إن دبلوماسية المسيرة الخضراء لم تبدأ في 6 نونبر 1975، بل كانت ثمرة تراكمات قانونية، تاريخية، وإنسانية، توّجها رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية، أكد وجود روابط البيعة بين القبائل الصحراوية والعرش المغربي. بهذا الأساس، انطلقت المسيرة كفعل دبلوماسي ميداني، شارك فيه 350 ألف مواطن ومواطنة، حاملين القرآن والعلم الوطني، دون سلاح، في رسالة حضارية للعالم.

اليوم، وبعد نصف قرن، لا تزال أصداء تلك الدبلوماسية تتردد في المحافل الدولية. فقد تحوّلت المسيرة إلى مرجعية سياسية وقانونية، يستند إليها المغرب في دفاعه عن وحدته الترابية، ويستثمرها في تعزيز علاقاته مع الدول والمنظمات، عبر مبادرة الحكم الذاتي التي حظيت بدعم واسع، باعتبارها حلاً واقعياً وذا مصداقية.

وفي الذكرى الخمسين، تتجدد الدبلوماسية المغربية في أبعادها التنموية، من خلال مشاريع استراتيجية في الأقاليم الجنوبية، ومبادرات ثقافية ودولية تكرّس مكانة الصحراء كمجال للريادة، لا للنزاع. فالمغرب لا يكتفي بالدفاع، بل يبادر، يطوّر، ويُقنع، مستنداً إلى شرعية التاريخ، وقوة الإنجاز، ووضوح الرؤية.

إن التاريخ لا يُختزل في لحظة التحرير. فالمسيرة الحسنية، التي كانت بمتابة فعل استرجاع ارض المغرب المغتصبة وكان يقودها المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني، تحوّلت اليوم إلى مسيرة محمدية يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، نحو التمكين، والبناء، والاعتراف الدولي. إنها مسيرة من نوع آخر: لا تُقاس بعدد المشاركين، بل بعدد المشاريع، والمواقف، والتحولات الاستراتيجية.

المسيرة المحمدية هي التي جعلت الداخلة والعيون وبوجدور والسمارة مراكز اقتصادية واجتماعية ومساحات للإستثمار، وربطت الجنوب بالشمال عبر البنية التحتية، وجعلت من الصحراء بوابة نحو إفريقيا. وهي أيضًا المسيرة التي راكمت الاعترافات الدولية، وأعادت رسم خريطة التحالفات، وفرضت واقعًا جديدًا في الدبلوماسية الإقليمية فالمسيرة ليست حدثًا نُحييه كل نونبر، بل هي أسلوب في التفكير، في التدبير، وفي الحلم الجماعي. هي دعوة دائمة لأن نُعيد ترتيب علاقتنا بالوطن: لا كمجرد أرض، بل كقضية يومية، كمسؤولية لا تُؤجَّل، وكذاكرة لا تُنسى.

لقد كانت المسيرة الخضراء، بقيادة الملك الحسن الثاني، لحظة فارقة في تاريخ المغرب، حيث اجتمع الشعب والعرش في ملحمة سلمية لاسترجاع الأرض، وتأكيد السيادة، وترسيخ روح الانتماء. لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كانت إعلانًا عن قدرة المغاربة على تحويل الحلم إلى واقع، والرمز إلى فعل جماعي

واليوم، في ظل القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تتجدد المسيرة، ولكن بأبعاد جديدة، ومسارات مختلفة. إنها “المسيرة المحمدية”، التي لا تُقاس بالكيلومترات، بل تُقاس بمؤشرات التنمية، ومشاريع البنية التحتية، ومبادرات العدالة الاجتماعية، ورؤية المغرب الكبير، المتضامن، المنفتح على المستقبل..

إن دبلوماسية المسيرة الخضراء ليست حدثاً من الماضي، بل نهجاً مستقبلياً، يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين التراب والهوية، وبين السيادة والتنمية. وهي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، دعوة مفتوحة لتجديد الإجماع الوطني، وتعزيز الحضور المغربي في العالم، بثقة، وكرامة، ووضوح. فلنعيش تحت شعار الله الوطن الملك

بقلم المصطفى بلقطيبية رقم بطاقة التطوع 11105
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!