الفساد البرلماني..هل هي أزمة الثقة في المؤسسات التشريعية المغربية
في سابقة غير معهودة في التاريخ السياسي المغربي، كشفت تقارير إعلامية عن تورط ثلاثين نائبًا برلمانيًا، من مختلف الأحزاب السياسية، في قضايا فساد مالي واستغلال النفوذ منذ عام 2021. هذه الأرقام الصادمة تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى نزاهة المؤسسات التمثيلية، وتعيد فتح النقاش حول آليات الرقابة والمساءلة في النظام السياسي المغربي.
خريطة الفساد الحزبي
ما يثير القلق ليس فقط عدد النواب المتورطين، بل تنوع الانتماءات الحزبية لهؤلاء، مما يعكس خللًا بنيويًا يتجاوز الأفراد ليطال المنظومة الحزبية نفسها:
-
التجمع الوطني للأحرار، حزب رئيس الحكومة، يتصدر القائمة بـ8 نواب، بينهم محمد بودريقة ورشيد الفايق، المتورط في قضايا خطيرة كالاتجار بالبشر.
-
حزب الاستقلال، الذي لطالما تباهى بإرثه الوطني، يشهد إدانة محمد كريمن بالسجن سبع سنوات.
-
حزب الأصالة والمعاصرة، المعروف بخطابه الحداثي، يواجه فضائح من بينها قضية سعيد الناصيري المرتبطة بشبكات تهريب دولية.
-
أحزاب المعارضة، مثل الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري، لم تكن بمنأى عن هذه الموجة، مع تورط 14 نائبًا من صفوفها. وما خفي أعضم
هل هي صحوة قضائية أم أزمة بنيوية؟
يرى بعض المراقبين أن هذه الملاحقات القضائية تعكس تحولًا إيجابيًا في أداء السلطة القضائية، التي بدأت تتعامل بجرأة أكبر مع ملفات الفساد، بغض النظر عن الانتماء السياسي. في المقابل، يعتبر آخرون أن هذه القضايا تكشف عن أزمة بنيوية في عملية اختيار المرشحين، حيث يتم تجاهل التقارير التحذيرية السابقة التي نبهت إلى سوابق بعض المرشحين قبل انتخابات 2021.
دور المجتمع المدني والإعلام
ساهمت المنظمات غير الحكومية، المدافعة عن المال العام، في تسليط الضوء على هذه القضايا، مطالبةً بتعزيز آليات الرقابة وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟”. كما لعبت وسائل الإعلام، التقليدية والرقمية، دورًا محوريًا في كشف تفاصيل هذه الفضائح، مما عزز من وعي المواطن ورفع سقف المطالب الشعبية بالمحاسبة.
فكل هذه الفضائح قد تؤدي إلى:
-
تآكل الثقة الشعبية في البرلمان كمؤسسة تمثيلية.
-
إضعاف الأحزاب السياسية أمام قواعدها، خاصة تلك التي ترفع شعارات النزاهة والشفافية.
-
إعادة النظر في قوانين الترشح، بما يضمن استبعاد أصحاب السوابق القضائية من خوض الانتخابات.
ما يحدث اليوم ليس مجرد سلسلة من الفضائح، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة المغربية على ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فإما أن تكون هذه القضايا بداية لمرحلة تطهير سياسي، أو أن تتحول إلى مجرد عناوين إعلامية تُنسى مع مرور الوقت.
فما هو الحل الحقيقي لمحاربة الفساد البرلماني
لحل الحقيقي يبدأ من الجذور، لا من القشور. في قضية تورط 30 نائبًا مغربيًا في ملفات فساد، لا يكفي أن نكتفي بردود فعل غاضبة أو تعليقات ساخرة. المطلوب هو إصلاح ممنهج يعيد الثقة في المؤسسات. وهذه بعض الحلول الجوهرية :
-
تفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” فرض التصريح بالممتلكات قبل وبعد كل ولاية برلمانية، وربطها بتحقيقات دورية.
-
الرقابة الشعبية والإعلامية دعم الصحافة الاستقصائية، وتشجيع المواطنين على التبليغ عبر منصات رقمية محمية.
-
استقلالية القضاء وتحصينه من الضغوط السياسية لأن العدالة لا يجب أن تكون انتقائية أو خاضعة للتوازنات الحزبية.
-
إصلاح قانون الانتخابات لمنع ترشح أصحاب السوابق أو من تحوم حولهم شبهات، عبر آلية “الفلترة الأخلاقية”.
-
إدماج التربية على النزاهة في المناهج الدراسية لأن بناء جيل يرفض الفساد يبدأ من المدرسة، لا من البرلمان.


