جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

من عيد الشغيلة إلى سؤال الكرامة: المتقاعد المغربي بين ذاكرة العطاء وثقل الواقع

بقلم : الحسين اموح شهراوي

0 5

بقلم : الحسين اموح شهراوي

 

يأتي عيد الشغيلة كل سنة كتذكير رمزي بقيمة العمل ودور الأجساد والعقول التي ساهمت في بناء الدولة والمجتمع، لكنه في السياق المغربي يتحول أيضاً إلى لحظة صمت ثقيل تطرح أسئلة أعمق من الاحتفال: ماذا عن الذين اشتغلوا بالأمس، وأين موقعهم اليوم داخل معادلة العدالة الاجتماعية؟
المتقاعد المغربي ليس مجرد حالة إدارية انتهت صلاحيتها المهنية، بل هو ذاكرة وطنية حيّة لمرحلة البناء بعد الاستقلال؛ مرحلة كان فيها العطاء وفيراً، والجهد مطلوباً، والرهان كبيراً على كل كفاءة وسواعد اشتغلت في صمت. لقد كان هذا الجيل في قلب مشاريع الدولة، في الإدارات، والمؤسسات، والقطاعات الإنتاجية، يضع خبرته وفكره ومجهوده في خدمة مسار طويل من التأسيس.
وهنا يطرح السؤال بعمق لا يمكن تجاوزه: هل ما أنتجه المتقاعد من أعمال وأفكار وخبرات طيلة أوج حياته المهنية لم يُحقق أي ثمار في مسار تنمية البلاد؟ أم أن هذا الجهد لم يكن إلا عبئاً بلا أثر؟ والواقع العملي والمؤسساتي والاجتماعي يجيب بعكس ذلك تماماً؛ فكل ما نراه اليوم من تراكمات اقتصادية وبنيات مؤسساتية وخدمات عمومية، هو امتداد مباشر لذلك الجهد التاريخي الذي بُذل في زمن التأسيس والبناء.
إن ما نعيشه اليوم من أرقام تُتداول في السياسات العمومية، ومن ميزانيات تُقاس بالمليارات، ليس معطيات نزلت من فراغ، ولا جاءت صدفة أو ظرفاً عابراً، بل هي نتيجة مسار طويل شارك في صياغته أولئك الذين يوجدون اليوم في مرحلة التقاعد. وبالتالي، فإن أي مقاربة تُقصي هذا الامتداد التاريخي تُفرغ مفهوم العدالة من محتواه.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الجيل، بعد عطائه، يجد نفسه اليوم في مواجهة واقع اقتصادي صعب: غلاء متواصل للأسعار، ضعف في القدرة الشرائية، ومعاشات لا تعكس لا حجم الخدمة ولا كلفة الحياة. وهو واقع لا يمس المتقاعد فقط، بل يمتد إلى أراملهم وأيتامهم، الذين يعيشون بدورهم على هامش هشاشة مركبة، تُضاعف من ثقل التجربة الإنسانية.
هذا الوضع لا يُنتج فقط معاناة فردية، بل يرسل إشارات اجتماعية خطيرة إلى الأجيال التي لا تزال في قلب العمل داخل مختلف مفاصل الدولة الاقتصادية والاجتماعية. إشارات تُوحي بأن نهاية الخدمة قد لا تكون بالضرورة نهاية عادلة، وأن الاعتراف قد يتأخر أكثر مما يجب، وأن العدالة الاجتماعية ما تزال في كثير من أبعادها مؤجلة.
وفي هذا السياق، يصبح عيد الشغيلة أكثر من مناسبة رمزية؛ يصبح لحظة مساءلة جماعية حول معنى الإنصاف، وحول موقع الإنسان الذي أعطى ثم أُحيل إلى صمت الانتظار. فالمسألة ليست فقط في تحسين شروط التقاعد، بل في إعادة بناء رؤية تعتبر المتقاعد امتداداً طبيعياً لمسار الإنتاج، لا هامشاً منه.
إن الإنصاف الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن ما تحقق اليوم هو ثمرة الأمس، وأن كرامة من بنى لا تقل أهمية عن فعالية من يدير اليوم وبين العطاء السابق والواقع الحالي، تظل العدالة الاجتماعية هي الجسر الوحيد القادر على حماية معنى الدولة من اختلال الذاكرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!