جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

بين المصلحة العامة وكرامة من لبّوا نداء الوطن: نحو إنصاف يعيد الاعتبار ويبشّر بانفراج قريب

0 14

من عين المكان – مراكش // الاستاد مولاي حسن محتاج

في قلب مدينة مراكش، وتحديداً بالحي العسكري المعروف بـ”بين القشالي”، لا يدور النقاش حول مجرد بنايات أو عقارات، بل حول معنى الوفاء ذاته. هناك، حيث تقيم فئة من المتقاعدين، والمعطوبين، والأرامل، والأيتام، تتقاطع الذاكرة الوطنية مع واقع اجتماعي مؤلم، يفرض علينا أن نطرح السؤال بصراحة: كيف نُوازن بين المصلحة العامة وكرامة من صنعوا جزءاً من تاريخ هذا الوطن؟
هؤلاء ليسوا مجرد سكان عاديين، إنهم أولئك الذين لبّوا نداء الوطن والملك في لحظات كانت البلاد في أمسّ الحاجة إلى رجالها. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الصحراء المغربية مسرحاً للتحديات، حملوا أرواحهم على أكفهم، وسقوا رمالها بدمائهم، دفاعاً عن الوحدة الترابية. ومنهم من عاد بإعاقة، ومنهم من لم يعد إلا اسماً في ذاكرة الأرامل والأيتام، ومنهم من ظل وفياً لارتباطه بتلك الأرض إلى اليوم.
لقد كان تمكينهم من السكن في هذا الحي أكثر من مجرد إجراء إداري؛ كان اعترافاً رمزياً بتضحياتهم، تجسّد في محضر وُقّع في عهد المغفور له الحسن الثاني، كنوع من التكريم المستحق والتفاتة كريمة. كان ذلك بمثابة عقد أخلاقي بين الدولة وهؤلاء الجنود: أن الوطن الذي دافعوا عنه لن يدير لهم ظهره.


اليوم، ومع صدور قرار يقضي بإخلاء هذه المساكن مقابل تعويض وُصف بالهزيل، يبدو أن هذا العقد الأخلاقي مهدد بالانكسار. لكن الأهم من ذلك، أن النقاش انحرف في بعض زواياه، وكأن الساكنة تقف في وجه “المصلحة العامة”. والحقيقة غير ذلك تماماً.
ساكنة “بين القشالي”، في وعيها واحتجاجها، لا تعارض المصلحة العامة، ولا تقف ضد مشاريع التنمية أو إعادة هيكلة المجال الحضري. بل إن وعيها نابع من تجربة طويلة في خدمة الوطن، وهي تدرك أن الصالح العام ضرورة لبناء المستقبل. غير أن الإشكال يكمن في الكيفية: هل يمكن أن تتحقق المصلحة العامة على حساب كرامة من ضحّوا من أجلها؟
هنا يكمن جوهر القضية. فالمصلحة العامة، في بعدها الحقيقي، لا تُختزل في قرارات تقنية أو حسابات عقارية، بل تقوم على مبدأ التوازن والإنصاف. لا يمكن الحديث عن تنمية عادلة إذا كانت تُنتج ظلماً جديداً، ولا عن تقدم إذا كان يُقصي من كانوا بالأمس في الصفوف الأمامية للدفاع عن الوطن.
إن مطلب الساكنة ليس تعجيزياً ولا خارجاً عن منطق الدولة، بل هو مطلب بسيط وعادل: قرار منصف يحقق التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة المثلى لساكني الحي، تعويض يليق بمقامهم، ويراعي وضعيتهم الاجتماعية والإنسانية، ويعكس حجم التضحيات التي قدموها. إنهم ليسوا ضد الإخلاء في حد ذاته، بل ضد الإخلاء غير المنصف.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن الكرامة أكثر من مجرد شعار. الكرامة هنا تعني الاعتراف، تعني أن الدولة لا تنسى أبناءها، وأن السياسات العمومية لا تُبنى على حساب الفئات الهشة، بل تراعي خصوصيتها وتاريخها. تعني أن الأرملة التي فقدت زوجها في سبيل الوطن لا تُترك اليوم لمواجهة مصير مجهول، وأن اليتيم لا يُعاقب على تضحيات والده، وأن المعطوب لا يُكافأ على إعاقته بالتهميش.
إن اللحظة تقتضي أكثر من قرار إداري؛ تقتضي موقفاً أخلاقياً واضحاً. فإما أن نُكرّس منطق الوفاء والإنصاف، أو نُغامر بترسيخ شعور عميق بالغبن، لا يليق بصورة وطن ينادي بالاعتراف بأبنائه.
ورغم كل هذا الاحتقان، فإن ما يبعث على الأمل اليوم هو أن صوت العقل بدأ يجد طريقه داخل النقاش العمومي، وأن مؤشرات الحوار والمساعي الجارية تفتح أفقاً نحو انفراج منصف يراعي كرامة الساكنة ويستحضر حجم تضحياتها. إن تعدد الأصوات الداعية إلى الحل العادل، وتنامي الوعي بضرورة التوفيق بين المصلحة العامة وحقوق هذه الفئة، ليس إلا بشارة إيجابية بأن الإنصاف ممكن، وأن الوطن لا يمكن أن يخذل أبناءه الذين لبّوا نداءه في أحلك اللحظات.
فالأمل قائم في أن تُترجم هذه الدينامية إلى قرار عادل، يُنهي هذا القلق، ويُعيد الاعتبار، ويؤكد أن مغرب الوفاء لا ينسى رجاله ونساءه، بل يُنصفهم حين تشتد الحاجة إلى الإنصاف.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!