في السنوات الأخيرة، أصبح مشهد الهدم حاضرًا بقوة في مختلف المدن المغربية، حيث تتوالى عمليات إزالة المباني والأحياء العتيقة في الرباط والدار البيضاء وطنجة وسلا وتمارة وغيرها. هذه العمليات ليست مجرد أعمال تقنية، بل هي جزء من مشاريع إعادة التهيئة الحضرية والتحضير لمغرب جديد في افق سنة 2030، وهي مشاريع تسعى إلى تقديم صورة حضارية للمغرب أمام العالم، وإلى إعادة رسم مدنه لتكون في مستوى الحدث العالمي. غير أن هذا التحول العمراني المهيب يطرح أسئلة إنسانية واجتماعية عميقة. فالأسر التي تُرحَّل من مساكنها، والسكان الذين يجدون أنفسهم أمام واقع جديد بلا بدائل واضحة، يعيشون قلقًا يوميًا حول مستقبلهم. كثير منهم يشتكون من ضيق الوقت الممنوح لهم قبل الإخلاء، ومن غياب تعويضات عادلة أو سكن بديل يوازي حجم التضحيات. هذا الوضع يثير جدلًا واسعًا ويجعل من الهدم قضية تتجاوز العمران لتصبح قضية كرامة إنسانية. القوانين المغربية تنص على تعويضات متفاوتة: ففي حالات المنفعة العامة، مثل بناء الطرق أو الملاعب، تُمنح تعويضات مالية أو شقق بديلة. أما في حالات المباني الآيلة للسقوط، فيُخصص دعم مالي مؤقت لإيجار السكن، مع إعادة إيواء لاحق في مشاريع جديدة. بينما في حالات البناء غير المرخّص أو العشوائي، لا يُصرف أي تعويض، وهو ما يترك عددًا كبيرًا من الأسر في مواجهة مصير غامض. هذا التفاوت جعل كثيرًا من المواطنين يحتجون أمام البرلمان وفي الشوارع، مشهد يتكرر مع كل حكومة دون حلول جذرية. إنها مفارقة صارخة: ففي أوروبا، المواطن لا يحتاج إلى مسيرات أو وقفات احتجاجية لأن حقوقه مضمونة عبر التشريعات والمؤسسات، بينما في المغرب، يضطر المواطن إلى النزول للشارع ليُسمع صوته، لأن لا أحد يتبنى مطالبه تحت القبة البرلمانية. كل الحكومات التي تعاقبت أبقت المشكل قائمًا كما هو، دون أن تُقدّم حلولًا شاملة تُوازن بين التنمية العمرانية والعدالة الاجتماعية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المغرب يعيش اليوم لحظة تحول حضاري كبرى. الملاعب تُبنى، الطرق تُفتح، الواجهات تُجدّد، والمدن تُعاد صياغتها لتكون في مستوى العالمية. لكن هذا التحول لن يكتمل إلا إذا كان الإنسان في قلبه، وإذا صانت الدولة كرامة مواطنيها قبل أن تُزيّن واجهاتها.