في لحظة تتسم بتشابك الرهانات الإفريقية وتزايد الحاجة إلى تحالفات اقتصادية وأمنية، جاءت زيارة الرئيس الجنوب إفريقي الأسبق جاكوب زوما إلى المغرب لتعيد فتح ملف قضية الصحراء المغربية من زاوية جديدة. زوما، الذي ظل لسنوات أحد رموز توجه سياسي داعم لخطاب تقرير المصير، اختار هذه المرة أن يُعبّر عن موقف مختلف وأكثر براغماتية، مؤكدًا على مغربية الصحراء، وعلى أهمية الحل الواقعي الذي يضمن الاستقرار الإقليمي.
هل هي خطوة فردية معزولة؟ أم بداية تحولات عميقة في الموقف الإفريقي التقليدي من هذا الملف المعقد؟ هذه الزيارة تستحق قراءة تحليلية دقيقة لفهم خلفياتها، رسائلها، وتداعياتها المستقبلية.
فما الذي قاله زوما؟ وما الذي لم يقله؟
خلال زيارته، أعلن زوما دعمًا واضحًا لمقترح المغرب بشأن الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، معتبرًا أن هذا الطرح هو الحل العملي الوحيد القادر على إنهاء النزاع الذي طال أمده. المثير أن هذا الموقف لم يأتِ في صيغة مجاملة دبلوماسية، بل ارتبط بخطاب واقعي يستحضر ضرورة تجاوز منطق “المزايدات الإيديولوجية” الذي حكم العلاقات الإفريقية لعقود.
ما لم يقله زوما، لكنه يفهم من السياق:
اعتراف ضمني بفشل الطرح الانفصالي في خلق توافق دولي.
إدراك لمتغيرات السياق الإفريقي، حيث أضحت التنمية والاستقرار أولويات تفوق الشعارات القديمة.
رسالة موجهة لخصوم المغرب الإقليميين مفادها: عصر توظيف النزاعات الإيديولوجية في العلاقات الإفريقية بدأ ينحسر.
تاريخيًا، وقفت بريتوريا دائمًا إلى جانب الأطروحة الانفصالية، متأثرة بإرث التضامن الثوري ومبدأ “حق تقرير المصير” الذي تبنته منذ مرحلة النضال ضد الأبارتهايد. لكن عدة متغيرات أعادت تشكيل هذا الموقف:
الأزمات الاقتصادية المتتالية، والبحث عن منافذ تجارية جديدة، دفعت النخبة السياسية للبحث عن شركاء اقتصاديين ذوي وزن استراتيجي، والمغرب في طليعة هذه الخيارات.
الانقسام الإفريقي حول ملف الصحراء لم يعد يخدم القارة، بل يعيق مسار الاندماج الاقتصادي الذي تسعى إليه مبادرات مثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. المغرب لاعب رئيسي في هذا المسار، وأي تقارب معه يفتح آفاقًا واعدة المغرب نجح في بناء شبكة مصالح قوية مع دول إفريقية مؤثرة من خلال الاستثمار في البنية التحتية، الطاقة، والفلاحة، ما جعل مواقفه السياسية أكثر قبولاً لدى شركاء جدد.
زيارة زوما لم تمر دون جدل في الداخل الجنوب إفريقي. حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي قاد تاريخيًا خط التضامن مع البوليساريو، اعتبر موقف زوما “تنازلاً عن المبادئ”. لكن أصواتًا أخرى بررت هذه الخطوة باعتبارها إقرارًا بضرورة التكيف مع التحولات الدولية، حيث بات استمرار النزاع مكلفًا دبلوماسيًا واقتصاديًا للقارة الإفريقية.
الموقف الذي عبر عنه زوما، حتى وإن جاء من رئيس أسبق، يمثل سابقة سياسية قد تفتح الباب أمام مراجعة تدريجية في مواقف دول أخرى، خاصة في ظل المتغيرات التالية:
إرهاق الصراع الذي استنزف موارد القارة لعقود دون أفق واقعي للحل.
صعود خطاب التنمية الاقتصادية كأولوية مطلقة تفوق الحسابات الإيديولوجية.
دعم القوى الكبرى للحكم الذاتي المغربي باعتباره حلاً متوازنًا يحافظ على استقرار المنطقة.
من زاوية مغربية، تشكل هذه الزيارة
ورقة ضغط دبلوماسية إضافية في مواجهة الخطاب الانفصالي داخل الاتحاد الإفريقي.
تأكيدًا على فعالية الخيار التنموي الذي اعتمده المغرب في الأقاليم الجنوبية، بما يحوّل الموقف السياسي إلى استثمار في الاستقرار.
إشارة إلى إمكانية اختراق جدار الممانعة التاريخية لدى بعض الدول الإفريقية التي كانت متشددة في دعم البوليساريو.
لا يمكن التقليل من أهمية موقف زوما، حتى لو بقي في حدوده الرمزية. لكنه في الوقت ذاته يعكس حقيقة جديدة: أن منطق التحولات في إفريقيا يسير نحو التطبيع مع الواقعية السياسية بدل الجمود الإيديولوجي. السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكون هذه الخطوة الشرارة الأولى لموجة مواقف مشابهة تعيد رسم الخريطة السياسية الإفريقية تجاه الصحراء المغربية؟ الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن المغرب كسب معركة أخرى في حربه الطويلة على جبهة الدبلوماسية.