بالواضح.. يكتبها الأستاذ الحسين شهراوي
منذ سنوات، كان جلالة الملك محمد السادس نصره الله و ايده ، هو الداعم الأول لمخطط المغرب الأخضر، باعتباره رافعة للتنمية الفلاحية وتحقيق الأمن الغذائي وجلب الاستثمارات، ووسيلة لدمج العالم القروي في النسيج الاقتصادي الوطني وقد حظي هذا المشروع برعاية ملكية مباشرة، وبتعبئة ضخمة للموارد المالية واللوجستية.
لكن ما كشفه المجلس الوزاري الأخير، من خلال قرار غير مسبوق يدعو المواطنين إلى الامتناع عن ذبح الأضاحي بسبب ضعف العرض وارتفاع الأسعار، هو أن العاهل المغربي بدأ يخرج من موقع رعاية النموذج الفلاحي، إلى موقع مساءلته.
فالدعوة لم تكن دينية أو موسمية فقط، بل كانت رسالة مشفّرة تقول: القطاع الذي راهنا عليه لسنوات لم يعد يفي بالغرض وهذا، في اعتقادي، يمثل تحولاً في زاوية النظر الملكية للسياسة الفلاحية: من التبني إلى التقييم، ومن الدفاع إلى المراجعة.
لقد فشلت السياسة الفلاحية، لا فقط في مواجهة الجفاف، بل في بناء نموذج عادل ومستدام ركزت على الفلاحة التصديرية، وخدمت لوبيات الأغنياء، وأقصت الفلاح الصغير، ولم تستثمر كما يجب في الموارد المائية والبنيات التحتية المحلية.
كما أنها لم تنجح في توزيع عادل للأراضي والمساعدات، بل خلقت مناطق نفعية مخصصة للاستثمار، وأخرى مهمشة مخصصة للصبر.
الانتقال الملكي في الخطاب والسلوك، كما عكسته مخرجات المجلس الوزاري، يعكس مرحلة جديدة: لم يعد هناك تساهل مع المشاريع التي لا تُنتج الأمن الغذائي، ولا صبر على سياسات تتغذى على التسويق الإعلامي ولا تُترجم إلى أثر في حياة المواطن.
السيادة الغذائية أصبحت اليوم أولوية استراتيجية، وربما سنشهد مستقبلاً “نموذجاً فلاحياً جديداً” يُبنى على قيم الإنصاف المجالي، العدالة المائية، واستدامة الموارد، بدلاً من منطق الربح والكم.
نحو سياسة فلاحية بديلة: ما العمل؟
إذا كان المجلس الوزاري قد شكّل لحظة مساءلة، فإن ما نحتاجه اليوم هو لحظة بناء. بناء لنموذج فلاحي جديد ينطلق من الواقع، لا من تقارير التسويق ومن هنا، يمكن اقتراح معالم سياسة فلاحية بديلة تقوم على:
تحقيق العدالة المجالية: إنهاء التمركز الفلاحي في السهول الكبرى وربطه حصريًا بالتصدير، والاهتمام بالمناطق الجبلية والهامشية التي تعاني من الإقصاء البنيوي، عبر تحفيز الاستثمارات المحلية وإنشاء تعاونيات مدعّمة لا ريع فيها.
إعادة توزيع الموارد المائية بعدالة: فلا معنى لاستنزاف الفرشات المائية لري الحوامض والأفوكادو في الوقت الذي يعجز فيه الفلاح الصغير عن سقي شجرة تين واحدة.
إعادة هيكلة الدعم الفلاحي:
توجيه الدعم نحو الإنتاج المعيشي، الزراعات المقاومة للجفاف، والتقنيات الصديقة للبيئة، بدل الاستمرار في دعم كبار المنتجين الذين راكموا الثروة من المخطط السابق دون مساءلة.
سيادة غذائية بدل الربح التجاري:
يجب أن تكون أولوية الفلاحة هي تغذية المواطن المغربي قبل تزويد الأسواق الأجنبية حيث ان السيادة الغذائية لا تعني الانغلاق، بل الاستقلالية الذكية عن الأسواق العالمية.
تحفيز البحث العلمي الفلاحي المحلي: الاستثمار في البذور المحلية، التقنيات المبتكرة في الزراعة البورية، وإعادة الاعتبار للمعرفة التقليدية للنساء والرجال في القرى.
تثمين الأرض كأصل استراتيجي:
تسوية أوضاع الأراضي الجماعية، ومراجعة معايير تفويت أراضي الدولة، مع وضع حد لتحكم الريع العقاري في توجهات الدولة الفلاحية.
إشراك الفلاحين الحقيقيين في اتخاذ القرار: لا سياسة فلاحية فعالة دون صوت الفلاح الصغير، ولا إصلاح دون تمثيل ديمقراطي لمجتمعات العالم القروي.
وفي الأخير…جلالة الملك غيّر زاوية النظر، فهل تلتقط الحكومة الإشارة؟
لا يُمكن المرور مرور الكرام على دعوة جلالة الملك للمغاربة إلى التريث بشأن ذبح الأضاحي. فهي لم تكن مجرد فتوى اجتماعية موسمية، بل لحظة سياسية بامتياز لحظة قال فيها الملك نصره الله ، بصوت هادئ ولكن حاسم:
السياسة الفلاحية الحالية لم تعد تضمن الأمن الغذائي.
لقد انتقل الملك من موقع الداعم لمخطط المغرب الأخضر إلى موقع مساءلته وهذا تطور بالغ الدلالة، يكشف أن النموذج القائم على تصدير الفلاحة واستنزاف المياه وتمركز الدعم قد بلغ مداه. والمحصلة؟ ارتفاع أسعار اللحوم، اختلال التوازنات، وفلاح صغير يُقصى من المعادلة.
الرسالة واضحة: السيادة الغذائية ليست خيارًا، بل ضرورة. والمطلوب اليوم سياسة فلاحية بديلة، تُعيد الاعتبار للفلاح الصغير، تنصف الهامش، وتُوازن بين البيئة والغذاء. نريد نموذجًا يُنتج العدالة لا فقط الخضر والفواكه.
إن الكرة اليوم في ملعب الحكومة: إما أن تستوعب الإشارة الملكية وتشرع في إصلاح شجاع، أو تستمر في بيع الأوهام، إلى أن يُصبح الجوع هو الناطق الرسمي باسم المغاربة.

