جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

صدام جزائري-إماراتي يعيد كشف أزمة النظام العربي: من مقابلة تلفزيونية إلى حرب كلامية

0 926
 جواد مالك
تحوّل تصريح إعلامي لمؤرخ جزائري على قناة “سكاي نيوز عربية” إلى شرارة فجّرت صدامًا سياسيًا وإعلاميًا واسع النطاق بين الجزائر والإمارات، ليكشف عن هشاشة العلاقات الثنائية وتراكم التوترات القديمة بين البلدين. المقابلة، التي وصف فيها المؤرخ محمد الأمين بلغيث الأمازيغية بأنها “مشروع فرنسي-صهيوني”، أثارت ردود فعل غاضبة داخل الجزائر، ورغم أن المتحدث جزائري، اختارت السلطات الجزائرية تحميل الإمارات مسؤولية “استفزاز شعورها الوطني”، بسبب تبعية القناة لأبوظبي.
غير أن حجم التصعيد الذي أعقب المقابلة تجاوز كل التوقعات، حيث شنّ الإعلام الجزائري هجومًا لاذعًا ضد الإمارات، وُصفت فيه الأخيرة بأنها “دولة مصطنعة” و”كيان وظيفي”، كما تم التنديد بتطبيعها مع الكيان الصهيوني، وبمواقفها السياسية الداعمة للمغرب في قضية الصحراء الغربية. من جهته، لم يتأخر الإعلام الإماراتي في الردّ، حيث اتجه هو الآخر نحو تسفيه الخطاب الجزائري واتهامه بـ”العدائية المزمنة”.
الرد الجزائري لم يتوقف عند حدود الإعلام، إذ أودعت السلطات المؤرخ المعني الحبس المؤقت، في خطوة أكدت مدى الحساسية السياسية المرتبطة بالهوية في الداخل الجزائري، لكنها لم تمنع استمرار الخطاب الحاد تجاه أبوظبي.
هذه الأزمة ليست منفصلة عن سياق أوسع من التوترات المتراكمة بين البلدين. فإلى جانب الخلاف حول التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، تتقاطع سياسات البلدين بحدة في ملفات إقليمية عديدة، مثل ليبيا ومالي، حيث تدعم الإمارات أطرافًا عسكرية، في حين تتمسّك الجزائر بخيارات مبدئية تزداد تشددًا مع مرور الوقت. كما تشعر الجزائر بأن الإمارات تسعى إلى توسيع نفوذها في شمال أفريقيا، بينما يرى مراقبون أن الجزائر، في المقابل، تُظهر حدة سياسية غير متناسبة مع التحديات التي تواجهها.
يرى محللون أن أصل الخلاف لا يكمن في المقابلة، بل في استعداد الجزائر للانقضاض على الإمارات عند أول فرصة، نتيجة تراكمات لم تُعالَج. كما أن غياب الحوار العربي البنّاء واتساع دائرة التجييش الإعلامي جعل من كل حادث بسيط شرارة محتملة لأزمات أكبر.
وتسلّط هذه الحادثة الضوء على فشل النظام العربي في إدارة خلافاته، إذ تغيب آليات الوساطة، وتغيب معها مؤسسات عربية قادرة على احتواء الأزمات. بل وتتحول الشعوب إلى وقود لهذه المعارك، بفعل التجييش والاحتقان العاطفي، وسط غياب صوت العقل والحوار.
فالجزائر، التي تنخرط في صراعات متعددة مع المغرب وليبيا ومالي، تكرر نفس المنطق مع الإمارات، دون أن تبحث في كثير من الأحيان عن وجهة نظر الطرف الآخر أو إمكانية بناء تفاهمات مشتركة. بينما تواصل الإمارات تعزيز تحالفاتها وتوسيع نفوذها، مما يجعلها أكثر تأثيرًا في المعادلة الإقليمية.
يبقى المؤسف أن أزمة كهذه تعيد إنتاج نفس النمط من الانقسام العربي، حيث لا يُبنى شيء على الحوار، بل تُبنى الأزمات على التصعيد وسوء الظن، في مشهد يعكس واقعًا مأزومًا لا يبدو أن الخروج منه بات وشيكًا.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!