على هامش الاحتفال بالذكرى الثامنة : التنمية البشرية ثورة ملكية ضد الفساد
يقر الكل بأننا نحيا ذروة تحول هائل نحو إرساء هياكل مجتمع مدني قوي وقد بدا واضحا أن هناك بالفعل مجتمعا آخدا في التحول ، وبدون شك أن هذا المجتمع الجديد يطرح تحديات جديدة و ربما قد يحتاج الأمر إلى إعادة النظر في الكثير من المفاهيم و القيم المشتركة.
وإذ ننوه بالمجهودات التي بدلتها بعض الجمعيات بفضل تعاون كل من السلطات المحلية والمنتخبة حيث تمت ترجمة فلسفة التنمية البشرية على أرض الواقع من خلال تنفيذ العديد من البرامج التنموية التي إستفاد منها الكثير من المواطنين خلال الفترة الأولى
دلك أن المبادرة الوطنية حققت حصيلة إيجابية، حيث تميزت بإنجاز 29 ألف مشروع، استفاد منه أكثر من 7 ملايين مستفيد بصفة مباشرة أو غير مباشرة، باستثمار إجمالي ناهز 18 مليار درهم ساهمت فيه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بما يزيد عن 11 مليار درهم
ولا بأس أن نذكر أيضا بأنه قد تم توسيع مجال عمل المبادرة ليشمل 701 جماعة قروية، تطبيقا لعتبة 14% كمعدل للفقر بدل 30 % التي همت 403 جماعة، و توسيع الاستهداف ليشمل 530 حيا حضريا مهمشا تابعا للمدن والمراكز الحضرية التي تتجاوز ساكنتها 20 ألف نسمة بدل 264 حيا تابعا لمدن تتجاوز ساكنتها 100 ألف نسمة،وإطلاق برنامج للتأهيل الترابي لفائدة 22 إقليما يعاني من العزلة
– كما تمت تعبئة غلاف مالي قدره 17 مليار درهم، بدل 10 ملايير درهم لمرحلة 2006-2010 ، يتم تخصيص 5 ملايير منها لتمويل البرنامج الجديد الخاص ب`”التأهيل الترابي” والذي ينضاف إلى البرامج الأربعة الأخرى المعتمدة في المرحلة الأولى من المبادرة
وسيخصص البرنامج الخامس لتأهيل المجال الترابي و ييستفيد منه حوالي مليون شخص من القاطنين ب 3300 دوار تابعين ل 22 إقليم (الاعتماد المالي: 5 مليار درهم). و يهدف هذا البرنامج إلى تحسين ظروف عيش سكان بعض المناطق الجبلية أو التي تعاني من العزلة،وتقليص الفوارق في مجال الولوج إلى البنيات الأساسية والتجهيزات وخدمات القرب (مسالك قروية ،صحة ،تعليم ،كهربة ،ماء شروب)، وإشراك سكان هذه المناطق في الدينامية التي خلقتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية
ولعلها فرصة العمر بالنسبة للجمعيات و المنظمات غير الحكومية لتؤكد حضورها و قدرتها على تشكيل المستقبل كما أنها تعتبر مناسبة طالما انتظرتها فعاليات المجتمع المدني لتقول كلمتها خاصة أن بإمكان هده الجمعيات أن تضطلع بأدوار أكبر في نطاق واسع من مجالات البيئة و التنمية.
لقد حان الوقت إدا لتعزيز ثقة الشعب بهده المؤسسات غير الحكومية والعمل على إعادة الإعتبار للعمل الجمعوي حيث الالتزام إزاء هدا الوطن العزيز و الانخراط الفعلي في أوراش البناء و التنمية.
إن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ستضع على المحك بكل تأكيد كل مكونات المجتمع المدني المغربي لاسيما الجمعيات و المنظمات الاجتماعية والتي ستزيد مصداقيتها أو تضعف بسبب مدى احترام قيم التضامن و التعاون الاجتماعي.
نحن أمام مواصفات جديدة للعمل الجمعوي : مواصفات ذات طابع مختلف .. طابع يتم من خلاله إلتماس قوة رصيد الجمعية في القدرة على الابتكار و مدى الالتزام بإنجاز البرامج و تنفيذ المشاريع
وقد نكون أمام تحديات تواجه مغرب اليوم أكثر تعقيدا وربما بصورة مغايرة عن تلك التي واجهت بعض الدول المماثلة وقد تتطلب منا تلك التحديات تعبئة شاملة لكل طاقات المجتمع ، لكن يبقى من الأهمية بمكان التذكير بضرورة سيادة شعور واحد لدى مكونات المجتمع المدني بكل أطيافه ألا و هو الشعور بالأمل و الثقة في المستقبل.
فنحن نؤمن أنه من الممكن إلى حد كبير أن تقوم الجمعيات بدعم القيم الأساسية المتعلقة باحترام المسؤولية ورعاية الأمانة نظرا لقدرتها على تعزيز الإحساس بالمسؤولية المشتركة تجاه قضايا البيئة و التنمية ومن المهم بصفة أساسية في هدا الصدد أن تعمل الجمعيات على تكييف أهدافها و برامجها وفقا للتوجهات الجديدة والمتمثلة في رغبة ملك البلاد لتحقيق الاستقرار و الرفاهية لعموم الشعب المغربي
كذلك يقتضي الأمر إضفاء طابع التجانس و التحديث و العلمنة على تلك البرامج المزمع إنجازها لفائدة المواطنين والقيام بالاستشارات اللازمة ولا عيب أن نستفيد من تجارب الآخرين من الدول الشقيقة و الصديقة في هدا المجال حيث تعد تجاربها رائدة ومن الخطأ الفادح تجاوزها أو عدم الاستئناس بها
من المفارقات العجيبة أن نسمع بانفتاح المدرسة أو الجامعة على محيطها في حين تأبى بعض الجمعيات إلا أن تظل شبه مغلقة وكأنها قلع قديمة وهي من أكثر المؤسسات المدنية حاجة إلى الانفتاح على ثقافة الآخرين
فينبغي على هذه الجمعيات أن تعلم أننا لم نعد نعيش وحدنا في هدا العالم ولسنا ببعيدين عن أعين الملايين من شعوب العالم التي تراقبنا وبالتالي ليس من مصلحتنا أن ننأى بأنفسنا بعيدا عن التحولات الدولية فعالم اليوم هو عبارة عن قرية صغيرة والكل ينظر إلينا بإهتمام الأمر الذي يجعل التعاون والإحترام المتبادل قيمتان أساسيتان لا غنى لمجتمعنا عنهما
طبعا يشكل غياب الدعم المالي لبرامج الجمعيات أحد أكبر العوائق التي تقف في وجه تحقيق تنمية مستديمة وفعالة ،كما أن بعض الجهات المانحة – سامحها الله – أصبحت تضع شروطا أقل ما يمكن أن توصف به: أنها بيروقراطية ويصعب معها تقديم طلبات الحصول على منح حيت ملء الاستمارات المتعددة وكثرة النسخ والطوابع البريدية والكثير من القيل والقال
وفي النهاية قد لا يتم التوصل بتلك المنحة إلا بعد تأخر قد يطال الحدود الزمنية المسطرة لإنجاز البرامج التنموية المقررة وربما قد تضيع تلك المنحة لدى هده الجهة أو أخرى بدعوى عدم استكمال وثائق الملف أو لعدم الاختصاص وربما تبقى المنحة رهينة برفوف الإدارات المعنية حتى إشعار آخر
من المفيد جدا أن يعاد النظر في طريقة دعم المشاريع وكدا توزيع المنح على الجمعيات فهناك حيف كبير يطال العديد من الجمعيات الجادة ولابد من تدخل لوضع حد لإستنزاف المال العام بغير وجه حق لاسيما أننا بدأنا نسمع في الآونة الأخيرة تناسل العديد من الجمعيات والتي إتخدت من التنمية الإجتماعية هدفا لها ولن نستغرب أيضا أن نجد بعض الجمعيات قد ولدت وفي فمها ملعقة من دهب.
ولعل أشد ما نخشى على هده الجمعيات هو أن تفشل – لا قدر الله – في الإمتحان العسير الذي ينتظرها حيت العبرة بالنتائج والهدف هو التسابق نحو تحقيق حياة أفضل للمواطنين: فاليتامى والأرامل والشيوخ والفقراء ومعهم الأشخاص من دوي الاحتياجات الخاصة وعموم الشعب المغربي مشدودة عيونهم تجاه القصر الملكي العامر حيت يروا في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ثورة ملكية ضد الفساد والذي طال العديد من المؤسسات الاجتماعية والذي عانت من ويلاته شرائح عريضة من المجتمع
ولا نظن أننا سنتسامح مع أية جمعية مهما كانت أو كان الدين يقفون وراءها قد تتلاعب هده المرة بالمال العام أو بالمسؤوليات الملقاة على عاتقها ،فمغرب اليوم هو مغرب المؤسسات لا الأشخاص وهده المؤسسات ينبغي أن تكون قوية وشفافة وقادرة على كسب رهان التنمية
ويبقى من المهم جدا أن يخضع رواد الجمعيات وأطرها إلى تكوين دقيق وشامل يتلاءم مع طبيعة المهام الجديدة :حيت ينبغي الابتعاد عن الارتجال والأسلوب القديم في التعامل مع القضايا والمشاكل المستجدة: فمن العار أن يظل رئيس الجمعية وحده الآمر الناهي وعلى عاتقه تقع المسؤولية كلها في تسير شؤون الجمعية ..؟ بل على العكس ينبغي توسيع دائرة المشاركة وإتاحة الفرصة أمام كافة الأعضاء والمنخرطون للمساهمة في التخطيط والتسيير وإبراز قدراتهم ومهارتهم
وأخيرا ومن أجل كسب رهان التنمية البشرية يجب على كل المواطنين الإسراع بالانخراط التلقائي في هذه الجمعيات والإنكباب على مشاريعها والعمل على حشد الجهود والإمكانيات الضرورية لتدليل العقبات وطرق كل الأبواب بل والعمل على إشاعة ثقافة جمعوية جديدة تنم عن ميلاد مجتمع جديد وبدء حقبة من تاريخ مغربنا العزيز.
بعض الإحصائيات
مكن تنفيذ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية برسم سنة 2012٬ دون احتساب برنامج التأهيل الترابي٬ من إطلاق 4986 مشروعا٬ وألفين و161 نشاطا٬ باستثمار إجمالي بلغ 86ر3 مليار درهم٬ ساهمت فيه المبادرة ب46ر2 مليار درهم.
وأوضحت دراسة تطور المنجزات حسب السنوات أن هناك ارتفاع في عدد المشاريع٬ الذي انتقل من أربعة آلاف و300 سنة 2011٬ إلى أربعة آلاف و986 مشروعا سنة 2012٬ مع تصدر البرنامج القروي ب1980 مشروعا٬ أي 40 في المائة من العدد الإجمالي للمشاريع٬ وفيما يخص الاستثمار الإجمالي٬ فتمت تعبئة 18ر1 مليار درهم (30 في المائة) على مستوى البرنامج الحضري.
وتبرز تدخلات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية حسب نفس المصدر ٬ بشكل واضح في إطار البرنامجين الحضري والقروي٬ ويرجع ذلك إلى توسيع الاستهداف الترابي خلال المرحلة الثانية من المبادرة الوطنية حيث انتقل عدد الأحياء الحضرية المستهدفة من 264 إلى 532٬ ومن 403 جماعة قروية مستهدفة إلى 702.
ولاحظ المصدر ارتفاع في دور المبادرة في كل من البرنامج الأفقي وبرنامج محاربة الهشاشة مسجلا على التوالي نسبة 48 في المائة و40 في المائة٬ مما يوضح انخراط النسيج الجمعوي إن على مستوى الأنشطة المدرة للدخل أو على مستوى عمليات التكفل بالأشخاص في وضعية صعبة.
وأوضح أن دعم الولوج إلى البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية شكل المحور الرئيسي للمشاريع الممولة سنة 2012 بمجموع مشاريع بلغت ألفين و225 مشروعا باستثمار وصل 75ر1 مليار درهم.
وفيما يخص النسيج الجمعوي٬ فإن أزيد من ألف و702 جمعية وتعاونية قد استفادت من المبادرة الوطنية خلال سنة 2012 .
ومن بين مجموع عمالات وأقاليم المملكة٬ التي تتوفر على أكبر عدد من المشاريع والأنشطة٬ نجد أقاليم الرحامنة (232)٬ وتارودانت (230)٬ وآسفي 184 مشروع وعملية٬ فيما يخص تمويلات المبرمجة فإن العمالات والأقاليم التي عبأت استثمارات مالية مهمة نجد كل من الجديدة ب3ر224 مليون درهم٬ ومكناس ب3ر119 مليون درهم٬ ومراكش ب4ر116 مليون درهم.
وفيما يتعلق بالبرنامج التأهيل الترابي٬ الذي يهدف بالأساس إلى فك العزلة عن ساكنة المناطق الجبلية ودعم الولوج إلى البنيات والخدمات الأساسية للقرب٬ فقد مكن منذ انطلاقه سنة 2011 من تهيئة 684 كلم من الطرق والمسالك٬ وبناء 570 سكنا وظيفيا للمعلمين٬ وبناء 61 سكنا وظيفيا للأطر الطبية٬ و27 مستوصفا قرويا٬ وتزويد 80 دوارا بالماء الشروب٬ وكهربة ألف دوارا.
وفيما يخص عدد المستفيدين برسم سنة 2012٬ فقد بلغ مليون و770 ألف و150 مستفيدا٬ سجل أكبرها بجهة سوس ماسة درعة ب249 ألف و150 مستفيدا٬ أي بنسبة 14 في المائة٬ فيما سجل أقلهم عددا بجهة واد الذهب-الكويرة ب20 ألف و230 مستفيد٬ أي بنسبة واحد في المائة. فيما سجل 52 في المائة بكل من جهة سوس ماسة درعة٬ والدار البيضاء الكبرى٬ ومراكش تانسيفت الحوز٬ ومكناس تافيلالت ٬ والجهة الشرقية.
وتمحورت معظم المشاريع والأنشطة خلال سنة 2012 حول دعم التعليم في الوسط القروي وشبه الحضري (18 في المائة)٬ ودعم المشاريع المرتبطة بالفلاحة (11 في المائة)٬ وفك العزلة عن ساكنة المناطق القروية (المسالك والطرق 10 في المائة)٬ وتقوية البنيات التحتية للقرب المتعلقة بتأطير الشباب والرياضة (9 في المائة)٬ ومحاربة الهشاشة القصوى وتحسين الولوج للمياه للشرب في المناطق القروية (8 في المائة)٬ بينما يأتي قطاع الصحة في المرتبة 8 بنسبة 7 في المائة من إجمالي عدد المشاريع والأنشطة المبرمجة.
ومن جهة أخرى٬ تم برمجة خلال سنة 2012٬ ألف و246 نشاطا مدرا للدخل٬ أي 25 في المائة من العدد الإجمالي للمشاريع٬ بغلاف مالي يبلغ 5ر457 مليون درهم٬ ساهمت فيه المبادرة الوطنية ب2ر268 مليون درهم٬ وبلغ عدد المستفيدين 18 ألف و690 منها 47 في المائة من النساء و42 في المائة من الشباب.
ويكشف تحليل مجالات تدخل الأنشطة المدرة للدخل للسنة الماضية حسب نفس المصدر أن القطاع الفلاحي٬ يحتل الصدارة ب53 في المائة٬ متبوعا بالقطاع التجاري والمهني ب31 في المائة٬ ثم قطاع الصناعة التقليدية ب13 في المائة من مجمل مشاريع الأنشطة المدرة للدخل. وخصصت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية٬ من ناحية التمويل٬ 42 في المائة من الأنشطة المدرة للدخل للتجارة و38 في المائة للفلاحة٬ و14 في المائة للصناعة التقليدية.
ومنذ الإعلان عن انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005٬ من قبل جلالة الملك٬ أعطيت دفعة قوية لمجال التنمية البشرية في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية٬ بغية تثمين المكتسبات الاجتماعية والإصلاحات الجوهرية التي يعرفها المغرب.
وتعتبر المرحلة الثانية 2011 2015٬ استمرارية لمكتسبات المرحلة الأولى وتقدم رؤى جديدة وواعدة من حيث المحتوى والشكل والمضمون ٬ بشكل يؤكد الخيار الاستراتيجي لمبدع هذه المبادرة

