جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة

الحوار الليبي في الرباط و تحديات المصالحة

496

برعاية مغربية استقبلت مدينة الرباط فرقاء السياسة الليبيين الباحثين عن حل يكفل الشراكة، ويعيد اللحمة، ويعزز من مدماك الثقة، وردم هوة الخلاف والتنازع، للخروج من دوامة الأزمة التي تعصف بالوطن الليبي.

اختراق سياسي مهم ونوعي للرباط بعيدا عن الحسابات الضيقة والتجاذبات الخطيرة والمدمرة التي تنم عن مصالح محض لا تحضرها المصلحة الليبية تقوم على ترجيح طرف على طرف آخر، وهو ما وصل بليبيا إلى هذا المآل الصعب. اختراق جاء على خلاف التوقعات المتشائمة من قبل الأطراف التي تنفخ في الصراع بنفس إقصائي لا يساعد في حل الأزمة بقدر ما يعمقها ويعقدها.

حل يخرج من معادلة الجمود والتخندق، ومن خيارات فرض الأمر الواقع تحت قوة النفوذ والسلاح إلى حل مرضي بعيدا عن لعبة التجاذبات الصفرية لا غالب فيها ولا مغلوب، حل يصب في خانة استقرار ليبيا، وعودة الأمن للوطن والمواطن، هذا الأخير الذي أصبح يتذمر من لعبة السياسة، التي لا تؤخذ أمنه ومعيشته بعين الاعتبار الوطني.

وأمام ذلك الاختراق المهم الذي حققته مفاوضات الرباط لا بد أن يستمع الليبيون لصوت مصالحهم بحذر يفوت من مخاطر التأثيرات الخارجية السلبية في الساحة الليبية، التي هي في غنى عنها بما تمتلكه من مقومات تسعفها في عدم الارتهان للقوى العابثة بمصالحها الحيوية. إذ لم يكن للرباط أن تصل إلى أي نوع من الحل لاستحقاقات المرحلة في ليبيا بدون النوايا الحسنة التي تتسلح بها تجاه الأزمة الليبية وشخوصها، ووقوفها على مسافة متساوية من كل الفرقاء الليبيين.

لقد أفرزت التنافسات السياسية والايديولوجية القاسية بعد ثورة 17 فبراير/شباط تدهورا سياسيا وفقدان الأمن وانتشار الميليشيات والسلاح خارج إطار الشرعية، وغياب الخدمات واستشراء الفساد وتصاعد الأزمات السياسية وضعف المؤسسات خصوصاً الأمنية والعسكرية. ورافق ذلك تحولات بنيوية في طبيعة الحكم قادت إلى تبلور طبقات سياسية منفصلة عن بنية المجتمع نفسه، ومنها نجد فقدان ثقة المواطن بالنخبة، وفقدان الثقة بين النخب، وفقدان الثقة بين المكّونات. ونختصر الحالة فيما يتم تداوله في الشارع الليبي سقط الطاغية لكن بقيت مؤسساته وثقافته الاستبدادية قائمة.

سقط نظام القذافي ليترك مجتمعاً منقسماً تسوده فوضى سياسية وهشاشة مؤسساتية، وقلق على المستقبل في ظل غياب مرجعية متفق عليها، وفي ظل طبقة سياسية تتصرف بناءً على مصالحها الضيقة، وهي الإرث الذي خلّفه نظام القذافي، في حين أن الليبيين بحاجة إلى دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة والمجتمع المدني، كما هم بحاجة أكبر إلى هامش كاف من الوقت لنجاحها وليس بحاجة إلى دولة الميليشيات التي تصنع وتفرخ بعيدا عن الأجندة الوطنية أو اختطاف الجيش من قبل أي شخصية أو جهة مدعومة من الخارج، ناهيك عن المخاوف المتعلقة بالعزل السياسي.

وفي سياق عبث التحدي الخارجي الذي يلعب بعيدا عن اعتبارات المصالحة الليبية وأهميتها في معادلة الاستقرار والأمن الداخلي ثمة دور لبعض الدول العربية فيما يحدث في ليبيا، أملا منها في ترجيح كفة طرف على طرف آخر سعيا لتحقيق أجندتها في إطار التجاذب الكبير.

في ظل هذا الوضع المأزوم تطرح الأسئلة: ما هو الحل الأمثل للخروج من الأزمة؟ وهل القوى والأحزاب السياسية مستعدة لتقديم تنازلات متبادلة تؤدي إلى التخلص من نفوذ الأطراف الإقليمية والدولية؟ خصوصا وأجندتها لا تتوافق وقيام ليبيا كدولة مستقرة، وإيجاد مقاربة مقبولة ومقنعة تعزز من واقع الثقة بين الفرقاء السياسيين. وتترجم التوافق الأخير حول تشكيل الحكومة بتلك الصيغة والمعايير التي تم التوافق عليه. وهذه بعض المقترحات:

1 – ضرورة وأهمية الإرتقاء بمشروع المصالحة الوطنية، ونقل خطوات وقرارات المؤسسات الشرعية إلى حيز التطبيق

2 – دعم وتطوير مؤسسات العدالة الانتقالية وتطبيق مبادئ إنصاف الضحايا وجبر الأضرار. وهي لازمة للانتقال إلى مرحلة تكون فيها الجروح قد التأمت، وتحققت فيها العدالة، وفتحت كل ملفات الانتهاكات، وبدأت الخطوات الجدية للإنصاف والعقاب.

3 – الإسراع في جسر الفراغ الدستوري السائد حالياً بتشكيل الحكومة المقترحة وفق الصيغة التي تم الاتفاق عليها في مفاوضات الرباط، والشروع في مرحلة ما بعد تشكيل الحكومة إلى تفعيل مجموعة من الإجراءات، ولاسيما بناء الجيش ومؤسسات الأمن والشرطة على أسس وطنية تسهاهم في تحقيق الأمن والاستقرار، ونزع سلاح الميليشيات خارج إطار سلطة الدولة، وعدم توظيف الاجتثاث (قانون العزل السياسي) باتجاه الانتقام والتشفي والثأر.

4 – اعتماد خطاب إعلامي وسياسي يقوم على العقلانية والتسامح وعدم تأجيج المشاعر والكراهية.

5 – توفر إرادة سياسية لدى الأطراف، تنطلق من مصالح الوطن، بعيدا عن الولاءات الفرعية الضيقة، والاهتمام بقضايا الأمن والخدمات، ومحاربة الفساد والإفساد.

6 – التفكير في لجنة إنصاف حقيقة ومصالحة وطنية. فالمصالحة الوطنية هي التحدي الأساسي للسلم الأهلي ولجنة الحقيقة والمصالحة هي اللبنة الأولى لتضميد جراح الليبيين من غير تجاهل الماضي.

إن نـجاح المصـالحة يتـوقف عـلى مدى اسـتعداد الأطـراف المتنـازعة للدخـول فيهـا، وتـقديم التنـازلات والتضحيـات من أجـل إنجـاحها بعـمل وطـني شـامل يتجـاوز سـلبيات واسـتقاطابات الحـرب وتصـفية الحسـابات، وينـأى بالـبلد عن الصـراعات السـياسـية والإيديولوجيـة، وثمنهـا البـاهظ على السـلام الاجتمـاعي والتنـمية والاسـتقرار والوحـدة الوطنية، والتخلص من إرث القذافي على كل المستـويات.
إن ذلك يحتاج، كشرط أولي مسبق، إلى ضبط الحالة الأمنية وإنهاء فوضى السلاح، وبناء الجيش والشرطة على أسس وطنية هي التحدي الأساسي الذي يواجه ليبيا بشكل خاص وخطير، وهي الخطوة الأولوية التي لا تسبقها أي خطوة أخرى لضمان النجاح في بناء دولة القانون والمؤسسات، ومن ثم الدفع بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي إلى الأمام كونها الملاذ المهم لنقل ليبيا إلى مرحلة الانسجام والتوافق.

 

 

 

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!