يشكل نجاح الاستحقاق الانتخابي لتجديد هياكل المجلس الوطني للصحافة محطة فارقة في تاريخ التنظيم الذاتي للمهنة، ومؤشراً جلياً على نضج الوعي المهني لدى الصحافيين والناشرين على حد سواء. إن التلاحم والإصرار اللذين أبان عنهما الجسم الصحفي لا يعكسان فقط الرغبة الصادقة في التغيير وتخطي حالة الركود، بل يؤكدان التزام الجميع بتبني حكامة جديدة تعيد للمؤسسة الإطار قيمتها الاعتبارية ودورها الريادي في حماية أخلاقيات المهنة وصون كرامة المشتغلين بها. وفي هذا السياق المتسم بالبحث عن دينامية جديدة، برز تصدر الصحفية والنقابية حنان رحاب لنتائج الاقتراع كحدث مفصلي أثار نقاشاً واسعاً داخل الوسط الإعلامي حول مستقبل القيادة داخل المجلس. فهذا الفوز الكاسح يمنحها قوة رمزية وسياسية كبيرة ويرشحها بقوة لتكون أول امرأة تتبوأ منصباً بهذا الحجم القيادي، غير أن الواقع المؤسساتي يفرض قراءة واقعية تستحضر ضوابط القانون التنظيمي للمجلس، حيث يتوقف حسم منصب الرئاسة على بناء توافقات متينة تتجاوز حدود فئة الصحافيين لتشمل ممثلي الناشرين وباقي الهيئات المكونة للمجلس. إن التحدي اليوم لا يقف عند حدود الإعلان عن النتائج أو موازين القوى الانتخابية، بل يتجاوزه إلى مدى قدرة التحالف الفائز على تحويل هذه الثقة الثمينة إلى مشروع عملي يجمع ولا يفرق. فالرهان الحقيقي الملقى على عاتق المكتب الجديد هو توحيد الصفوف، وتجاوز الاختلافات والتكافؤ في صناعة القرار، والانتقال الثابت نحو بناء بيت صحفي مستقل ومسؤول قادر على مواكبة تحولات المشهد الإعلامي وتلبية تطلعات الصحافيات والصحافيين بكل أمانة واستحقاق. ولأن التغيير المنشود لا يستقيم دون الاستجابة للمطالب الاجتماعية والمهنية الحيوية التي ظل ينادي بها الجسم الصحفي، فإن الاختبار الحقيقي أمام المجلس الجديد يكمن في مدى قدرته على إرساء شبكة أمان شاملة تحمي الصحفي وتضمن له شروط العمل الكريمة. إن توفير البطاقة المجانية بمختلف وسائل النقل داخل المغرب وخارجه للصحافيين أثناء أدائهم لمهامهم الميدانية، وتأسيس تعاضدية صحية تضمن التغطية الاجتماعية الشاملة، إلى جانب تخصيص مخيمات صيفية لأبناء الصحافيين وتسهيل السفريات والتغطيات الخارجية، كلها متطلبات جوهرية لم تعد ترفاً بل ضرورة لحفظ كرامة المشتغلين بالقطاع. وفي ظل العالم المتغير والتحولات الرقمية المتسارعة التي تحيط بالمهنة، يتضاعف التحدي المهني ليكون التكوين المستمر وتحديث آليات العمل الصحفي شرطاً أساسياً للارتقاء بالتنافسية والجودة. إن معالجة هذه الملفات الملحة والاستثمار الحقيقي في العنصر البشري هما السبيل الوحيد لجعل الصحافة الوطنية قادرة على مواكبة الرهانات العالمية الجديدة، وتحويل شعارات التغيير إلى واقع ملموس يعيد للإعلام الوطني وهجه ومكانته المستحقة.